بين حبلٍ في رقبة طفلٍ في مالي… وذكريات محظرتي

أثار الفيديو المتداول لطفل في مالي، وقد أحاط معلمه عنقه بحبل وهو يعاقبه، موجة واسعة من الغضب والتعاطف.
وأنا أشاهده، لم أذهب مباشرة إلى النقاش الدائر، بل أخذتني الذاكرة إلى طفولتي…..إلى لوحي الخشبي، وإلى برد الفجر، وإلى صوت والدتي – أطال الله عمرها – وهي توقظنا قبل الرابعة صباحا لنلحق بالمحظرة.
رحم الله معلمي الأول، محمد محمود ولد الحاج، الذي كنا جميعا نناديه “الديه”. كان من أولئك الرجال الذين نذروا حياتهم لتعليم القرآن. يجلس أمامه عشرين طفلا وأكثر، وكل واحد في حزب مختلف، وعند درس “الكتبة الجديدة” فيملي علينا جميعا وفي نفس الوقت بشكل آلي، في مشهد لم أدرك عظمته إلا بعد أن كبرت.
وكان، كغيره من معلمي ذلك الزمن، يعاقبنا إذا قصرنا، ولم أكن يوما استثناء عن بقية الطلبة… كان كل منا له إسم حركي ينادى به…
لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي لم يكن الضرب.
بل ذلك اليوم الذي وصله فيه خبر مؤلم فأغمي عليه برهة. لم أر الموت يومها، لكن خيال الطفل في داخلي صنع قصة كاملة لم تقع؛ تخيلت أن معلمي قد مات، فانطلقت أركض إلى البيت أصرخ:
لا يمكن فهم ذلك الفرح الذي انتابني إلا بمقارنته بشعور طفيل اليوم وفي نهاية كأس العالم وسجل فريقه ولاعبه المفضل هدف الفوز في الوقت بدل الضائع.
كنت أصرخ بكل وقت وأركد بكل سرعة نحو بيتنا:
“الديه مات… الديه مات!”
سألتني والدتي: كيف عرفت؟
قلت بثقة الأطفال:
“رأيته ممددًا لا يتحرك وقد أغمضوا عينه وغطوا جميع جسمه”
فهرعت مع خالي – رحمه الله – إلى المحظرة، وقد حمل خالي ما جرت العادة أن يُحضَّر به للميت من طيب وصوف ونحوه.
لكننا وجدنا معلمي قد أفاق، وبناته الطيبات قد أجلسنه بينهن، وهو يحيينا بابتسامته المعهودة.
عندها أدرك خالي الموقف، فأسرع يخفي ما أحضره حتى لا يراه أحد، بينما بقيت أنا أنظر في حيرة، لا أفهم كيف انهارت القصة التي نسجها خيال طفل في لحظات.
واليوم، كلما تذكرت ذلك المشهد، أشعر بالخجل من نفسي أكثر مما أبتسم له، وأزداد امتنانًا لذلك الرجل الذي أفنى عمره في تعليم كتاب الله.
ثم جاء معلمي الثاني، أحمد سالم ولد السيد، رحمه الله.
كنت عنده واحدا من بقية الطلبة؛ لا يحابي أحدا، ولا يستثني أحدا من العقاب. فإذا قصرنا نلنا جميعًا نصيبنا من الضرب، وإذا أحسنا وجدنا منه من التشجيع والشفقة ما ينسينا قسوة الطريق.
أما أنا، فكنت بارعا في الهروب.
ذات مرة ادعيت أنني أصبت بالعمى الليلي حتى أعفى من المحظرة.
ولكي تبدو الكذبة مقنعة، أخذت أجلس عمدا فوق “السطلة” الكبيرة التي يُستقى بها الماء، فيبتسم معلمي ويقول:
“مكصور لعمر… أمش بيه شور أهلو.”
ظننت أن خطتي نجحت.
لكن والدتي كانت أذكى ماشاء الله…
وضعت قطعة من السكر إلى جانبي، ثم انشغلت بشيء آخر وهي تراقبني.
وما إن امتدت يدي إليها حتى انتهت قصة “العمى الليلي”، وبدأت قصة أخرى من العقاب، قبل أن تأخذني بنفسها إلى معلمي وتوصيه ألا يحبسني معه ثلاثة أيام.
ومرة أخرى، تولى أخي الأكبر تعليمي.
كنت أظن أنني قادر على مقاومته.
لكن والدتي حسمت المعركة سريعا… إلى جانبه. (اتحماوني)
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، لا أتذكر تلك الأيام بمرارة.
أتذكرها بما فيها من تعب وضحك، وخوف وحيل الأطفال، ثم أنظر إلى النتيجة.
ما بقي في قلبي ليس ألم العصا أو السوط، بل فضل الرجال الذين علمونا القرآن، وصححوا ألسنتنا، وربونا على الانضباط وبذلوا من أعمارهم ما لا يعرف قدره إلا من جرّب التعليم.
ولا يعني هذا أن كل أسلوب قديم صحيح، ولا أن كل شدة مقبولة ولا أن أي تجاوز ينبغي السكوت عنه.
لكن أخشى أن يتحول التعاطف الصادق مع طفل إلى مناسبة لمحاكمة منظومة تربوية كاملة، أو لاجتثاث قيم مجتمع بأسره دون فهم لسياقها وتاريخه.
ثم إن ما يثير قلقي ليس هذا المشهد وحده، بل ما قد يتسلل من خلاله من أفكار تريد أن تجعل العالم كله نسخة واحدة في التربية والقيم.
نعم، من حقنا أن نرفض الإهانة والإفراط في العقاب وأن نطور أساليبنا التربوية، لكن من حقنا أيضًا أن نتساءل:
لماذا يُطلب منا دائمًا أن نتخلى عن خصوصيتنا الثقافية والدينية، بينما لا يُطلب من غيرنا مراجعة تناقضاته؟
العالم الذي يرفع اليوم راية حقوق الإنسان هو نفسه الذي شن، ولا يزال يشم، حروبًا أزهقت أرواح أعداد هائلة من الأطفال والمدنيين، وعرف استخدام السلاح النووي، وشهد انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي في أكثر من مكان. ومع ذلك، كثيرا ما تُقدَّم إلينا منظومته الأخلاقية وكأنها النموذج الوحيد الذي لا يقبل النقاش.
وأخشى أن يتجاوز الأمر، مع مرور الزمن، مجرد الاعتراض على وسيلة من وسائل التربية، ليصل إلى السعي لفرض تصور واحد للأسرة وتربية الأبناء، بحيث يُنظر إلى كل من يتمسك بقيمه الدينية والاجتماعية على أنه متهم يحتاج إلى إعادة تأهيل.
أيها الناس … الإصلاح الحقيقي لا يكون بطمس هوية المجتمعات، بل بمساعدتها على تصحيح أخطائها وهي متمسكة بثوابتها، لا باقتلاع تلك الثوابت من جذورها.
فالإصلاح الحقيقي لا يكون بإنكار الماضي كله، ولا بتقديسه كله، وإنما بالاحتفاظ بفضائله، مع تصحيح أخطائه والتمييز بين تجاوزٍ يجب أن يُرفض ورسالة عظيمة حملها رجال أفنوا أعمارهم في تعليم كتاب الله.
رحم الله معلمي، ورحم والدي ووالديكم ورحم كل من علم حرفا، وأخلص نية، فليس من الوفاء أن ننسى فضل الرجال لأننا اختلفنا مع بعض وسائل زمانهم،.
وليس من الحكمة أن نهدم تاريخًا كاملا بسبب مشهد واحد.
تحياتي للجميع