عودة حبيب صال إلى موريتانيا..بين رسائل التهدئة واستمرار خطاب المطالبة بالتغيير / بقلم احمد محمد حماده

أعادت عودة رئيس حركة حركة افلام، حبيب صال، إلى موريتانيا فتح النقاش مجددا حول طبيعة العلاقة بين الدولة والحركات السياسية ذات الخلفية الحقوقية والهوياتية، كما أثارت تساؤلات بشأن دلالات السماح بعودته بعد سنوات من الغياب، في سياق سياسي وإقليمي يتسم بحساسية متزايدة تجاه قضايا الوحدة الوطنية والحريات العامة.
وقد جاءت تصريحات صال عقب عودته محملة برسائل متعددة، حاول من خلالها الجمع بين الإشادة بما اعتبره “إرادة انفتاح” من طرف السلطات، وبين التمسك بخطاب نقدي يطالب بالإصلاح والتغيير. وهو توازن يعكس طبيعة المرحلة الحالية، التي تبدو فيها مختلف الأطراف حريصة على تجنب التصعيد المباشر، دون التخلي الكامل عن مواقفها السياسية والفكرية.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المراقبين أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نجح خلال السنوات الأخيرة في خلق مناخ سياسي أقل توترا مقارنة بمراحل سابقة، من خلال تبني خطاب يقوم على التهدئة والانفتاح، والسعي إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى السياسية والحقوقية. ويستشهد هؤلاء بجملة من المؤشرات، من بينها عودة بعض الشخصيات المعارضة إلى البلاد، وتراجع حدة الاحتقان السياسي، وإطلاق حوارات مع أطراف متعددة، فضلا عن الحرص الرسمي المتكرر على إبراز أهمية الوحدة الوطنية وتجنب خطاب التصعيد. ومع ذلك، يرى آخرون أن ترسيخ هذا المناخ يتطلب الانتقال من التهدئة السياسية إلى معالجات أعمق للقضايا المرتبطة بالحريات والعدالة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.
ويحمل خطاب حبيب صال جملة من الرسائل السياسية والحقوقية التي تبدو موجهة إلى أكثر من طرف في الداخل الموريتاني، إذ حاول من خلاله الجمع بين لغة التهدئة والدعوة إلى الانفتاح، وبين التأكيد على استمرار حركة حركة افلام في الدفاع عن مطالبها التقليدية المرتبطة بالمساواة والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. كما سعى إلى تقديم عودته بوصفها خطوة طبيعية في إطار حق المواطنة، مع توجيه إشارات إيجابية تجاه السلطات عبر الإشادة بالسماح له بالعودة وحرية الحركة، مقابل التمسك بخطاب نقدي يدعو إلى حوار وطني أوسع، وحماية الحقوق الدستورية، وتعزيز التماسك الاجتماعي. ويرى بعض المتابعين أن هذا الخطاب يعكس محاولة لإعادة تموقع الحركة داخل المشهد السياسي الوطني بصيغة أقل تصادمية وأكثر انفتاحا على الشراكات السياسية والاجتماعية.
كما يلاحظ بعض المتابعين أن خطاب حركة حركة افلام في هذه المرحلة يبدو مختلفا من حيث اللغة والرسائل مقارنة بفترات سابقة، إذ لم يعد يركز حصريا على مخاطبة شريحة اجتماعية أو فئوية بعينها، بل اتجه نحو تبني خطاب أوسع يقدم نفسه باعتباره معنيا بقضايا جميع الموريتانيين، من حريات وعدالة اجتماعية وتنمية ووحدة وطنية. ويظهر ذلك من خلال تركيز رئيس الحركة حبيب صال على مفاهيم المواطنة الجامعة، والحوار الوطني، وتحسين الظروف المعيشية، وبناء إدارة في خدمة السكان كافة، وهي رسائل يرى مراقبون أنها تعكس محاولة للانتقال من خطاب ذي طابع احتجاجي وهوياتي إلى خطاب سياسي أكثر شمولية يسعى إلى كسب حضور أوسع داخل الساحة الوطنية.
وفي حديثه عن ردود الفعل التي رافقت عودته، ركز صال على مبدأ حق المواطنة، معتبرا أن أي موريتاني لا ينبغي أن يُمنع من العودة إلى بلده مهما كان توجهه السياسي أو الإيديولوجي، ومؤكدا أن “موريتانيا لكل أبنائها”. ويُنظر إلى هذا الطرح بوصفه محاولة لإعادة تقديم القضية من زاوية حقوقية ودستورية، بدل اختزالها في بعدها السياسي أو الأمني.
وفي المقابل، حملت تصريحاته إشارات إيجابية تجاه السلطات، إذ شكرها على السماح له بالعودة وحرية الحركة داخل البلاد، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشرا على رغبة رسمية في تخفيف حدة التوتر مع بعض الشخصيات والتيارات التي ظلت علاقتها مع الدولة معقدة خلال فترات سابقة. كما يرى آخرون أن الخطوة قد تدخل ضمن مقاربة أوسع تسعى إلى تعزيز صورة الانفتاح السياسي، خاصة في ظل حديث متكرر عن أهمية التهدئة والحوار الوطني.
غير أن خطاب صال لم يخلُ من مضامين نقدية واضحة، حيث تحدث عن “التقييد التدريجي للحريات” و”الممارسات المهينة” في بعض الأحياء والمدن، داعيا إلى حماية حق التظاهر، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتنظيم حوار وطني “حقيقي” يشمل المواطنين ولا يقتصر على الفاعلين السياسيين التقليديين. وتنسجم هذه الطروحات مع الخطاب التاريخي لحركة “افلام”، التي ظلت تقدم نفسها باعتبارها حركة تدافع عن العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق المكونات الوطنية.
كما لفت الانتباه تركيز صال على البعد الثقافي واللغوي، من خلال الدعوة إلى تشجيع تعلم مختلف اللغات الوطنية، وهي قضية ظلت حاضرة في النقاش العمومي الموريتاني لعقود، باعتبارها مرتبطة بإشكالات الهوية والاندماج الوطني. وفي السياق نفسه، دعا إلى بناء إدارة “عصرية وكفؤة” تكون في خدمة المواطنين، في إشارة إلى أن الإصلاح، من وجهة نظره، لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل يشمل أيضا تحديث مؤسسات الدولة وتحسين أدائها.
ويرى بعض المتابعين أن من أبرز التحديات التي قد تواجه حركة حركة افلام في سعيها إلى إعادة التموضع داخل المشهد السياسي الوطني، مسألة الصورة الذهنية المرتبطة باسم الحركة لدى شريحة من الموريتانيين، خصوصا أن اسم “افلام” ظل في الوجدان العام مرتبطا بمحطات التوتر والصدام والعمل المسلح خلال فترات سابقة من تاريخ البلاد.
ومن هذا المنطلق، يعتبر بعض المراقبين أن تبني تسمية جديدة، أو إطلاق إطار سياسي بخطاب وهوية أكثر انسجاما مع المرحلة الحالية، قد يساعد الحركة على تقديم نفسها بصورة مختلفة، قائمة على العمل السياسي المدني والانفتاح والحوار، بعيدا عن إرث الصراع الذي ما يزال حاضرا في ذاكرة جزء من الرأي العام. وفي المقابل، يرى آخرون أن تجاوز تلك الصورة لا يرتبط بالاسم وحده، بقدر ما يتطلب بناء الثقة من خلال الممارسة السياسية والخطاب المعتدل والانخراط في القضايا الوطنية الجامعة.
وتطرح عودة حبيب صال، والخطاب الذي رافقها، تساؤلات أوسع حول الوضع الحالي لحركة حركة افلام، وحجم حضورها الحقيقي داخل الساحة السياسية والاجتماعية، ومدى وجود توافق داخلي حول التحول الذي يبدو أنها تحاول القيام به، من حركة ارتبط اسمها تاريخيا بخطاب احتجاجي وهوياتي حاد، إلى فاعل سياسي يسعى إلى تقديم نفسه ضمن خطاب وطني أكثر شمولا وهدوءا.
ولا شك أن “افلام” اليوم ليست هي الحركة التي ظهرت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، سواء من حيث البنية التنظيمية أو التأثير السياسي أو طبيعة الخطاب. فقد عرفت الحركة، على مدى عقود، انقسامات داخلية وتحولات فكرية وتنظيمية، كما تأثر حضورها بتغير السياقات السياسية والاجتماعية داخل موريتانيا، إضافة إلى بروز أجيال جديدة من النشطاء والحركات الحقوقية التي تتقاطع معها في بعض المطالب، لكنها تختلف معها في الوسائل والخطاب.
ويرى بعض المتابعين أن جزءا من كوادر الحركة بات يميل إلى تبني مقاربة سياسية أكثر براغماتية، تقوم على الانخراط في النقاش الوطني العام، والدفاع عن قضايا المواطنة والعدالة الاجتماعية والحريات ضمن إطار جامع لا يقتصر على فئة بعينها. ويعتبر هؤلاء أن التحولات التي تعرفها البلاد والمنطقة تفرض تجاوز الخطابات القديمة، والبحث عن صيغ أكثر قدرة على بناء الشراكات وكسب التعاطف داخل المجتمع الموريتاني بمختلف مكوناته.
في المقابل، لا يستبعد مراقبون وجود تباينات داخلية بشأن هذا التوجه الجديد، خصوصا لدى بعض الشخصيات أو القواعد التي ترى أن أي تخفيف للخطاب التقليدي قد يُفقد الحركة خصوصيتها التاريخية أو يُضعف سقف مطالبها.
فالحركات التي تنشأ في سياقات احتجاجية وهوياتية غالبا ما تواجه صعوبة في تحقيق توازن بين الحفاظ على إرثها النضالي وبين التكيف مع متطلبات العمل السياسي المدني والمؤسساتي.
كما أن مسألة الذاكرة السياسية تظل عاملا مؤثرا في هذا النقاش، إذ لا يزال اسم “افلام” مرتبطا لدى جزء من الرأي العام بمحطات التوتر والصدام في تاريخ موريتانيا، بينما تحاول قيادات الحركة الحالية الدفع باتجاه صورة جديدة تقوم على الحوار والانفتاح والعمل السياسي السلمي. ولذلك، فإن نجاح هذا التحول لا يتوقف فقط على الخطاب، بل أيضا على قدرة الحركة على إقناع الداخل والخارج بوجود مراجعات حقيقية ورؤية سياسية تتلاءم مع المرحلة الحالية.
وتأتي هذه التصريحات في ظرف إقليمي يتسم بتصاعد التوترات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، ما يجعل ملف التماسك الداخلي أكثر حساسية بالنسبة للسلطات الموريتانية. ولذلك يرى بعض المتابعين أن أي خطاب يدعو إلى التهدئة والحوار يمكن أن يجد آذانا صاغية، شريطة ألا يتحول إلى عامل توتر جديد داخل المشهد الوطني.
وفي النهاية، تبدو عودة حبيب صال إلى موريتانيا أكثر من مجرد حدث سياسي عابر، إذ تعكس تحولات أعمق تشهدها العلاقة بين الدولة والتيارات المعارضة ذات الخلفية الحقوقية والهوياتية. فبين خطاب رسمي يسعى إلى ترسيخ التهدئة والانفتاح، وحركة تحاول إعادة تقديم نفسها بلغة أكثر شمولية وابتعادا عن إرث الصدام، تقف البلاد أمام فرصة لإعادة بناء الثقة وتوسيع فضاء الحوار الوطني. غير أن نجاح هذه المرحلة سيظل رهينا بقدرة جميع الأطراف على تحويل النوايا المعلنة إلى ممارسات فعلية، تضمن احترام الحريات، وتعزز المواطنة الجامعة، وتفتح المجال أمام مشاركة سياسية تقوم على التعددية والاندماج بدل الإقصاء والاستقطاب. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، تبدو الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى خطاب وطني جامع يجعل من الاستقرار والوحدة والعدالة الاجتماعية قواسم مشتركة بين مختلف الموريتانيين.