من مضيق هرمز إلى موقد الحطب… كيف غيّرت أزمة الغاز فنجان الشاي في بيت محمد؟

خرج محمد ذات صباح على غير عادته، متأخراً بخطوة عن روتين البيت الذي يبدأ دائماً برائحة الشاي. كانت أمه تنتظره في صمت مألوف، لكن هذه المرة كان الصمت ثقيلاً؛ فالقنينة الوحيدة في المنزل أعلنت نفادها في لحظة غير مناسبة، كأنها اختارت توقيتاً قاسياً لتتوقف.

حمل القنينة، ومضى نحو الدكان القريب، وهو يحدّث نفسه عن يوم بسيط تعكّره تفاصيل صغيرة. وضعها جانباً، ألقى التحية، ثم سأل بنبرة عادية تخفي استعجاله:
“كاز خالك؟”
رفع التاجر رأسه ببطء، نظر إليه طويلاً قبل أن يقول: “أثرك ما اعلمت؟”

لم يحتج محمد إلى شرح طويل. نظرة التاجر كانت كافية لتقول كل شيء. رفوف شبه فارغة، زبائن يتناوبون على السؤال نفسه، وأسعار تتصاعد كأنها تسابق القلق. منذ أيام، والحديث في الحي لا ينقطع عن أزمة الغاز، وعن مضيق بعيد اسمه “هرمز” صار فجأة أقرب إلى مطابخهم من أي وقت مضى.

قال التاجر وهو يشير إلى القنينة:
“إن وجدتُ لك واحدة، فلن تكون بالسعر الذي تعرف.”
ابتسم محمد ابتسامة باهتة، وسأل: “وكم أصبحت؟”
ذكر التاجر رقماً جعل محمد يبتلع دهشته بصعوبة، وكأن الشاي الذي لم يُعد بعد، صار فجأة ترفاً.

تردد محمد لحظة. مدّ يده إلى جيبه، بدأ يتفحص النقود التي يملك، ثم أعادها ببطء. لم يكن المبلغ كافياً. نظر إلى القنينة الفارغة، ثم إلى الطابور خلفه، وشعر أن دوره لم ينتهِ عند الشراء… بل عند العجز.

انسحب بصمت، وترك مكانه لآخر كان مستعداً للدفع مهما كان الثمن..
خرج من الدكان دون أن يحمل شيئاً. كانت القنينة أخفّ على كتفه، لكنها أثقل في قلبه. في الطريق، مرّ بجيران يتحدثون بصوت مرتفع عن الأزمة، عن السفن التي تأخرت، وعن الأسواق التي اشتعلت. كل شيء بدا مترابطاً بطريقة لم يكن يفهمها تماماً، لكنه يشعر بثقلها في تفاصيل يومه.

حين عاد إلى المنزل، وجد أمه كما تركها، تنتظر الشاي الذي لم يأتِ. جلس بجانبها وقال بخفة حاول أن يصطنعها:
“يبدو أننا سنشربه على الطريقة القديمة اليوم… ولن يكون عندنا من الجيمات الثلاثة سوى نحن والجمر، فالوقت يضايقني والعمل متراكم.

زر الذهاب إلى الأعلى