حماية هيبة الدولة: بين الانضباط المؤسسي ومقاومة التماهي مع الظواهر الاجتماعية غير اللائقة

حماية هيبة الدولة: بين الانضباط المؤسسي ومقاومة التماهي مع الظواهر الاجتماعية غير اللائقة
بقلم أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

تُعدّ هيبة الدولة من الركائز الأساسية التي تقوم عليها سلطة القانون واستقرار المجتمع، فهي ليست مجرد مظهر خارجي أو خطاب رسمي، بل منظومة متكاملة من السلوكيات والمؤسسات٨ والتقاليد التي تعكس جدية الدولة واحترامها لنفسها قبل أن تطالب مواطنيها بذلك. غير أن هذه الهيبة قد تتعرض للتآكل حين ينخرط بعض المسؤولين أو الفاعلين العموميين في ممارسات اجتماعية لا تنسجم مع موقعهم أو يظهرون في مناسبات لا تليق برمزية الدولة ومكانتها.
ولعلّ ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو ما نلاحظه في الآونة الأخيرة من تنامي بعض الممارسات التي تُسيء إلى صورة الدولة وتُضعف هيبتها في أعين المواطنين، سواء عبر مشاهد متداولة في الفضاء الافتراضي أو من خلال سلوكيات أصبحت تُمارس بشكل يكاد يُطبع معها. هذا التراكم المقلق من الصور والتصرفات، الذي يجمع بين التسيب والاستعراض وغياب الضوابط، لم يعد مجرد حالات معزولة، بل بات ظاهرة تستدعي التوقف عندها والتنبيه إلى خطورتها. ومن منطلق الحرص على المصلحة العامة والإيمان بدور الكلمة في التصحيح، جاء هذا المقال محاولةً لإثارة النقاش حول ضرورة استعادة المعايير التي تحفظ للمسؤول هيبته وللدولة مكانتها.
إن التماهي غير المحسوب مع بعض الظواهر الاجتماعية، حتى وإن كانت شائعة أو مقبولة في السياق الشعبي، قد يُفقد المنصب الرسمي هيبته ويُضعف المسافة الضرورية بين الدولة والمجتمع. فالمسؤول، بحكم موقعه، لا يمثل نفسه فقط، بل يجسد صورة الدولة بكل ما تحمله من وقار وانضباط. لذلك، فإن حضوره في مناسبات يغلب عليها الطابع الفوضوي أو غير المنضبط، أو مشاركته في سلوكيات لا تعكس قيم الرصانة والمسؤولية، يُرسل إشارات سلبية ويُربك معايير القدوة في المجتمع.
ومن النماذج التي تكشف اختلال هذه المعايير ما يُلاحظ أحياناً في مناسبات التعزية والتهنئة، حيث يُفترض أن يسود الوقار والاحترام، فإذا بها تتحول لدى البعض إلى فضاءات للاستعراض والظهور. ففي مشاهد متكررة، يُزاحم بعض المتزلفين المسؤولين لالتقاط الصور أو تسجيل مقاطع وهم يتبادلون عبارات المديح بصوت مرتفع، في سياقات لا تحتمل ذلك لا أخلاقياً ولا اجتماعياً. كما قد تُستغل لحظات يفترض أن تكون إنسانية خالصة، كالعزاء، لإبراز القرب من المسؤول أو التفاخر به، مما يفرغ المناسبة من معناها الحقيقي ويُسيء إلى حرمتها. إن هذه السلوكيات، إلى جانب ما تحمله من ابتذال للمناسبة، تُضعف أيضاً صورة المسؤول وتُخرجه من إطار الوقار المطلوب، وهو ما يستدعي وعياً أكبر بضرورة احترام خصوصية هذه اللحظات والحفاظ على طابعها الإنساني الرصين.
ومن مظاهر الحفاظ على هيبة الدولة أن يتحلى المسؤول بالصرامة الكافية لرفض مظاهر التزلف والانتهازية، خاصة تلك التي تتجلى في محاولات البعض التقاط الصور معه أو الظهور إلى جانبه وهم يرفعون أصواتهم بالمديح المبالغ فيه أمام الكاميرات. فهذه السلوكيات، التي تنتشر للأسف عبر مقاطع الفيديو، لا تعكس تقديراً حقيقياً للمسؤول بقدر ما تكشف عن سعي ضيق لتحقيق مكاسب شخصية أو لفت الانتباه. والسماح بمثل هذه الممارسات يسيء إلى صورة المنصب، ويحوّل المسؤول من رمز للجدية والوقار إلى مادة للاستعراض. لذلك، فإن من واجب المسؤول أن يضع حداً واضحاً لهذه التصرفات، وأن يحيط نفسه بثقافة الاحترام الرصين لا بثقافة التصفيق المجاني، حفاظاً على هيبة الدولة وصوناً لقيمة المسؤولية العامة.
كما أن من صور الإضرار بهيبة الدولة ظهور المسؤول في مناسبات شعبية بطريقة غير لائقة أو في بيئات يغلب عليها الانفلات وغياب الانضباط، حيث تختلط الأدوار وتضيع الحدود بين ما هو رسمي وما هو عابر أو استعراضي. فالمسؤول مطالب بأن يختار بعناية السياقات التي يحضر فيها، وأن يحرص على أن يكون حضوره معبّراً عن قيم الدولة لا متماهياً مع سلوكيات قد تسيء إلى صورته أو تضعف رمزية موقعه. إن الانضباط في الظهور العلني ليس تقييداً، بل هو جزء من المسؤولية التي تفرضها الوظيفة العامة.
ومن ركائز ترسيخ هيبة الدولة أن يتحلّى المسؤول بالتعفف والاستغناء عن الناس، فلا يجعل من موقعه وسيلة لطلب المنافع أو نسج علاقات قائمة على المصالح الضيقة. فالمسؤول الذي يترفّع عن الاستجداء المعنوي والمادي، ويكتفي بما يتيحه له القانون من صلاحيات وامتيازات، يبعث برسالة قوية مفادها أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة الصالح العام لا تمر عبر الأبواب الخلفية أو المجاملات. إن الاستغناء يعزز استقلال القرار، ويمنح المسؤول قوة أخلاقية تجعله أقرب إلى العدل والإنصاف، وأبعد عن الضغوط والابتزاز. وبهذا السلوك، تُصان كرامة المنصب وتُرسّخ ثقة المواطنين في مؤسساتهم، إذ يرون في المسؤول نموذجاً للنزاهة لا محتاجاً لمن حوله أو خاضعاً لتأثيراتهم.
ومن مقتضيات صون هيبة الدولة التزام المسؤول العمومي بواجب التحفّظ، باعتباره أحد أعمدة الأخلاقيات المهنية في الوظيفة العامة. فالمراسلات الإدارية الداخلية وما تتضمنه من معطيات وتوجيهات تُعدّ جزءاً من سير العمل المؤسسي، ولا يجوز تحويلها إلى مادة للنشر أو التداول في الفضاء الافتراضي، لما في ذلك من مساس بسرية الإدارة وإرباك لآليات اتخاذ القرار. إن تسريب هذه الوثائق أو نشرها خارج أطرها القانونية لا يضعف فقط ثقة المواطنين في المؤسسات، بل يفتح الباب أيضاً للتأويلات المغلوطة والاستغلال غير المسؤول للمعلومات. لذلك، فإن التزام المسؤول بالتحفّظ وحماية المعطيات الإدارية يُعدّ تعبيراً عن وعيه بثقل الأمانة الملقاة على عاتقه، وحرصه على احترام قواعد العمل المؤسسي وصيانة هيبة الدولة من كل ما قد يسيء إليها.
ويقتضي ترسيخ هذه المبادئ كذلك إقرار إطار قانوني واضح وصارم يحدّ من هذه السلوكيات ويضع لها حدوداً لا يجوز تجاوزها. فغياب نصوص زجرية صريحة أو ضعف تطبيقها يفتح الباب أمام التسيب وتكرار الممارسات التي تسيء إلى هيبة الدولة. لذلك، تبرز الحاجة إلى سنّ قوانين تُجرّم تسريب المراسلات الإدارية الداخلية ونشرها خارج الأطر القانونية، مع تحديد عقوبات رادعة تتناسب مع خطورة هذا الفعل وما يترتب عليه من أضرار مؤسسية. كما ينبغي أن يشمل هذا الإطار القانوني تنظيم سلوك المسؤولين في الفضاء العام، بما يضمن احترام مقتضيات الوقار والتحفظ، ويمنع استغلال المنصب في سياقات غير لائقة. إن وجود قانون واضح، مقرون بإرادة حقيقية في تطبيقه، كفيل بأن يعيد الاعتبار للانضباط المؤسسي ويحصّن الدولة من مظاهر العبث والاستخفاف برمزيتها.
ولا يعني هذا الدعوة إلى الانفصال عن المجتمع أو التعالي عليه، بل المقصود هو تحقيق التوازن بين القرب الواعي والتمثيل المسؤول. فالدولة القوية هي التي تحافظ على هيبتها دون أن تفقد إنسانيتها، وتقترب من مواطنيها دون أن تذوب في كل أنماطهم وسلوكياتهم. إن هذا التوازن الدقيق يتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الدور العام وحدود الظهور الاجتماعي، خاصة في زمن أصبحت فيه الصورة والرمزية جزءاً أساسياً من الحكم.
كما أن حماية هيبة الدولة ليست مسؤولية الأفراد فقط، بل هي أيضاً مسؤولية المؤسسات التي ينبغي أن تضع ضوابط واضحة لسلوك المسؤولين، سواء من خلال مدونات أخلاقيات الوظيفة العامة أو عبر ثقافة تنظيمية تعلي من قيمة الانضباط والقدوة الحسنة. فحين تكون المعايير واضحة، يسهل على الجميع التمييز بين ما يليق وما لا يليق بموقع المسؤولية.
وفي المقابل، يلعب الإعلام والمجتمع دوراً مهماً في ترسيخ هذه القيم، من خلال تشجيع النماذج الإيجابية ومساءلة الممارسات التي تسيء إلى صورة الدولة. فالتطبيع مع مظاهر التسيب أو الاستعراض غير اللائق قد يؤدي مع الوقت إلى تآكل تدريجي للهيبة العامة، وهو ما ينعكس سلباً على احترام القانون وثقة المواطنين في مؤسساتهم.
إن الحفاظ على هيبة الدولة ليس ترفاً شكلياً، بل ضرورة وظيفية لضمان الاستقرار والعدالة. وهو يبدأ من وعي المسؤولين بثقل مواقعهم، وحرصهم على الظهور في الإطار الذي يعكس مكانة الدولة لا أن يُضعفها. فالدولة التي تحترم نفسها في سلوك ممثليها، تفرض احترامها في نفوس مواطنيها، وتؤسس لثقافة عامة قوامها الانضباط والاحترام المتبادل.

زر الذهاب إلى الأعلى