الحسين ولد مدو..وزيرُ المائةِ عامٍ، الاختيارُ الأوفقُ

يقدّرُ الرئيسُ غزواني حقلَ الثقافةِ بكاملِ روافدِها ومنها الإعلامُ، وقد تجلَّى ذلك في اختيارِ المثقَّفِ الكبيرِ والصحفيِّ الشهيرِ الدكتورِ الحسين ولد مدو وزيرًا للثقافةِ، وهو في تقديري أدقُّ اختيارٍ لهذه الوزارةِ منذ الاستقلالِ؛ حيث جاءَ الرجلُ -للمرةِ الأولى كوزيرٍ للثقافةِ- من نفسِ الحقلِ الذي استُوزِرَ فيه، ولتمتعِه بعقليَّةٍ ثقافيَّةٍ وصحفيَّةٍ فذَّةٍ إضافةً إلى خبراتِه الطويلةِ.
ولا أرى إلا أنَّ التاريخَ سيسجلُ -عند احتفالِ موريتانيا بمئويةِ استقلالِها عام 2060- أنَّ الدكتورَ الحسين ولد مدو وزيرَ الثقافةِ أعظمُ وزراءِ الثقافةِ الذين مرُّوا على موريتانيا، وهو ما تبدى منذ أن تولاها والحيويَّةِ التي بثَّها في أركانِها والتغييراتِ الإيجابيَّةِ والهادفةِ التي بدأت بتوليةِ المبدعِ الكبيرِ أحمد حافظ مديرًا عامًّا للفنونِ بالوزارةِ، مما انعكس بشكلٍ إيجابيٍّ على بوادر نهضةٍ حقيقيَّةٍ في فنونِ السينما والمسرحِ والفنِّ التشكيليِّ والموسيقى في بلدٍ عُرِف على مدى تاريخِه بالثقافةِ. وكذلك اختيارُه للشاعرِ الفذِّ الشيخ جاكيتي سك مكلفًا بمهمةٍ في الوزارةِ.
وفي بلدان عربية وافريقية قرأت مقالات تشيدُ بالرجلِ ونزاهتِه ودأبِه الثقافيِّ والتنفيذيِّ ودورِه الهامِّ كصحفيٍّ كبيرٍ ومثقفٍ مرموقٍ في الثقافةِ العربيةِ والأفريقيةِ بصورةٍ عامةٍ.
وهذه الإشاداتُ بـالحسين ولد مدو تؤكدُ إمكانيةَ العملِ الثقافيِّ الموحدِ والمشتركِ، مما سينعكسُ كثيرًا على الحركةِ الثقافيةِ والساحةِ الصحفيةِ في موريتانيا؛ حيث تُعدُّ هذه الشهرةُ الدوليةُ لوزيرِ ثقافةٍ ما في أيِّ بلدٍ إضافةً كبيرةً لوزارتِه،
وتلك الشهرةُ وهذه الرؤيةُ والعلاقاتُ الممتدةُ عربيًا ودوليًا لـالحسين ولد مدو فرصةٌ هامةٌ –وإن كانت نادرةً، لا يتمتعُ بها الكثيرون ممن يشغلون المناصبَ الوزاريةِ في عالمِنا العربيِّ– لمدِّ جسورِ التواصلِ مع الكياناتِ الثقافيةِ والفنيةِ العربيةِ والأفريقيةِ. ومن الإنجازاتِ التي تحسب له إقامةُ أولِ معرضٍ دوليٍّ للكتابِ في نواكشوط وهو ما يليقُ بحجمِ موريتانيا ثقافيًا، فقد كنتُ أتساءلُ: كيف لهذهِ البلدِ العظيمةِ ثقافيًا ألا تزدانَ بمعرضٍ دوليٍّ للثقافةِ والكتابِ؟و إطلاق منصةٍ إلكترونيةٍ لـموسوعةِ الأدبِ الشعبيِّ الموريتانيِّ التي تُعنى بالتراثِ الموريتانيِّ كلِّه بكلِّ اللغاتِ المحليةِ (الحسانية، البولارية، السوننكية، والولفية)، وحفظِه من خلالِ رقمنتِه وتيسيرِ الوصولِ إليه، مما يؤدي خدماتٍ جليلةً للباحثين والكتابِ والصحفيين المهتمين بهذا التراثِ، ليس في موريتانيا فحسب ولكن في العالمِ كلِّه. وهو ما يؤكدُ بعدَ نظرِه وكفاءتَه كمسؤولٍ كبيرٍ مثقفٍ يعملُ على إعادةِ رسمِ الصورةِ البهيةِ لهذهِ البلادِ وتصديرِ أروعِ ما فيها للعالمِ المعاصرِ، تمامًا كما فعلَ أجدادُه الشناقطةُ من العلماءِ والفقهاءِ. وهذه المنصةُ تمثلُ الذاكرةَ الحيةَ التي تحفظُ إنتاجَ هؤلاء وإرثَهم العظيمَ.
ولأولِ مرةٍ تعودُ البعثاتُ الأثريةُ (الأركيولوجيةُ) للعملِ في مواقعِ المدنِ القديمةِ الأثريةِ لاستكمالِ الكشفِ الأثريِّ بعد توقفٍ دامَ خمسةَ عقودٍ من الزمنِ لعملِ البعثاتِ الأثريةِ في موريتانيا من خلالِ فريقٍ موريتانيٍّ فرنسيٍّ مشتركٍ الإنجازاتُ الهامةُ التي قامَ بها الوزيرُ الدكتورُ الحسين ولد مدو في عامين فقط منذ تولي حقيبةِ وزارةِ الثقافةِ دليلٌ دامغٌ على حسنِ الاختيارِ، وفي ذلك أيضًا دليلٌ دامغٌ على رغبةِ الرئيسِ محمد ولد الشيخ الغزواني في العملِ المنظمِ والقويِّ وفقَ فلسفةٍ ذاتيةٍ ناجحةٍ أولتِ الإعلامَ والثقافةَ ما يستحقانِه من اهتمامٍ رئاسيٍّ.
و لا ننسىمصادقةَ الحكومةِ على تغييراتٍ جوهريَّةٍ في الحقلِ الإعلاميِّ وإصدارَ مرسومٍ ينظِّمُ شروطَ منحِ وتجديدِ وتعليقِ وسحبِ البطاقةِ الصحفيَّةِ، ما كان ليحدثَ لو لم يكن الحسين ولد مدو وزيرًا للثقافةِ ومعنيًا بالصحافةِ؛ لأنَّه أدرى الوزراءِ بواقعِ الصحافةِ والثقافةِ كصحفيٍّ كبيرٍ امتدَّت خبراتُه المهنيَّةُ لثلاثةِ عقودٍ.
كما أنَّه انتبهَ بشكلٍ حقيقيٍّ وذكيٍّ لاستخدامِ الذكاء الاصطناعي لخدمةِ العملِ المهنيِّ الصحفيِّ وتأثيراتِه على نشرِ خطابِ الكراهيةِ والإعلامِ المضللِ. وهنا أعتقدُ أنَّ الحسين ولد مدو عملَ على خلقِ الآلياتِ الأنسبِ لمواجهةِ ذلك والاستفادةِ منه بالصورةِ التي تواجهُ هذا الخطابَ، والأهمُّ هو وضعُ رؤيةٍ مناسبةٍ للمشهدِ الصحفيِّ والإعلاميِّ في موريتانيا ومعالجاتُ الخللِ البنيويِّ والماديِّ والتقنيِّ.
تُسهمُ في تشكيلِ الصورةِ الصحيحةِ عن موريتانيا. هذا الضبطُ سيتصدى للتهورِ غيرِ المسؤولِ، والابتذالِ في السبِّ، والتجاوزِ في النقدِ الذي ينسالُ من أقلامٍ محسوبةٍ على الساحةِ صحفيةٍ،
ولا يشعرُ أغلبُ الصحفيين بما يقومُ به الحسين ولد مدو ويخططُ للارتقاءِ بالفضاءِ الثقافيِّ في الدولةِ الموريتانيةِ والفنونِ، والتي بدأت تتكونُ وفقَ فلسفةِ الرئيسِ غزواني في “القفزِ والارتقاءِ والحمايةِ”. وبرغم أنَّ هذه الفلسفةَ أدت إلى جعلِ موريتانيا هي نقطةَ الاستقرارِ الوحيدةِ وسطَ بحيرةٍ متلاطمةِ الأمواجِ من الإرهابِ والفقرِ والهشاشةِ، إلا أنَّ الجميعَ يبدو أنَّهم يصمون آذانَهم ويغمضون أعينَهم عن رؤيتِه.
والحقيقةُ أنني منذ سنواتٍ وأنا أعتبُ على الصحافةِ الموريتانيَّةِ أنها تسهمُ في تشويهِ الدولةِ وتشكِّكُ المستثمرين والجهاتِ المانحةِ والمقرضةِ؛ فتؤخِّرُ حركةَ الاستثمارِ والتنميةِ في بلدٍ يتمتَّعُ بمواردَ هائلةٍ يمكن أنْ تجعلَ موريتانيا خلال خمسِ سنواتٍ أغنى دولةٍ في محيطيْها وانتمائيْها الإقليميين العربيِّ والأفريقيِّ، ويعطي صورةً غيرَ حقيقيةٍ عن
إلا أنني رغمَ هذه الصورةِ المشرقةِ أرى أحيانًا هجومًا غيرَ مبررٍ دأبَ البعضُ عليه ضدَّ الحسين مدو بين آونةٍ وأخرى، وأعلمُ بعضَهم وقد ناقشتُهم مرارًا في ضرورةِ دعمِ الحسين ولد مدو فيما يخططُ للقيامِ به لصالحِ الدولةِ الموريتانيةِ والثقافةِ والفنونِ في موريتانيا، ولصالحِ الدولةِ التي بدأت تتكونُ وفقَ فلسفةِ الرئيسِ غزواني في القفزِ والارتقاءِ والحمايةِ التي لا يشعرُ بها أغلبُ الصحفيين، رغم أنَّ هذه الفلسفةَ أدت إلى جعلِ موريتانيا هي نقطةَ الاستقرارِ الوحيدةِ وسطَ بحيرةٍ متلاطمةِ الأمواجِ من الإرهابِ والفقرِ والهشاشةِ…. هذه الكلمات من كتابي “فلسفة حكم الغزواني ”

د. أيمن السيسي
مدير تحرير الأهرام المصرية

زر الذهاب إلى الأعلى