ما لا تذكره خرائط الثروة خولة عبدي سالم الحبيب – صحفية وكاتبة مهتمة بالتراث الثقافي والسياحة والتنمية المحلية

حين نتحدث عن المقدرات الثقافية لموريتانيا، تتجه الأنظار عادة إلى مدنها التاريخية، ومخطوطاتها العتيقة، ومحاظرها التي حفظت العلوم جيلا بعد جيل، وإلى الشعر الذي شكل ديوان حياة الموريتانيين وذاكرتهم. وكل ذلك يستحق الاعتزاز بلا شك، لكنه لا يمثل في نظري سوى الوجه الظاهر من ثروة أعمق وأبقى.

فأثمن مقدرات موريتانيا الثقافية ليست مدينة ولا مخطوطا ولا معلما تاريخيا، بل الإنسان الموريتاني نفسه.

قد تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى عاطفية أو مبالغا فيها، لكنها تصبح أكثر وضوحا كلما تأملنا طبيعة هذا المجتمع وما يحتفظ به من قيم إنسانية نادرة في عالم يتجه باطراد نحو الفردانية والعزلة. فالتراث في جوهره ليس حجارة ولا أوراقا، بل منظومة قيم وسلوكيات ورؤية للحياة يحملها البشر ويورثونها لمن بعدهم. وإذا كانت الأمم تفخر بما شيدته أيديها، فإن موريتانيا تملك سببا إضافيا للفخر بما حفظته النفوس والقلوب.

ما يميز الإنسان الموريتاني ليس فقط ما يعرفه أو ما ورثه من ثقافة، بل الطريقة التي يتعامل بها مع الآخرين. ففي هذا البلد تشعر، حتى وأنت بين غرباء، أنك بين أهلك. هناك دفء إنساني يصعب وصفه بالكلمات، وإحساس عميق بأن الناس مسؤولون عن بعضهم بعضا، وأن روابط المجتمع لا تقاس دائما بصلة الدم أو القرابة المباشرة.

كثيرا ما أسمع من زوار موريتانيا أنهم فوجئوا بسرعة اندماجهم في المجتمع، وبسهولة بناء العلاقات الإنسانية فيه. وما يثير انتباههم أكثر أن هذا التآلف لا يبدو مصطنعا أو ناتجا عن مجاملة عابرة، بل هو جزء من ثقافة اجتماعية متجذرة ترى في الاهتمام بالآخرين قيمة بحد ذاتها.

في مجتمعات كثيرة أصبح الإنسان يعيش وسط آلاف الأشخاص دون أن يعرف جاره أو يشعر بمسؤولية تجاه محيطه. أما هنا فما زالت فكرة الجماعة حاضرة بقوة فالناس يسألون عن بعضهم بعضا، ويعرضون المساعدة قبل أن تطلب منهم، ويشعرون أن ما يصيب فردا من المجتمع يعنيهم بطريقة أو بأخرى.

وأستحضر هنا موقفا شخصيا ظل عالقا في ذاكرتي. كنت في زيارة إلى تونس، وأثناء تسوقي في أحد المتاجر دخل السفير الموريتاني هناك آنذاك. لم يكن بيننا ما يبرر معاملة خاصة، لكن ما إن لمحني أرتدي الملحفة حتى بادر إليّ بالسلام والسؤال عن حالي وأحوالي، ثم أصر على أن يتكفل بثمن مشترياتي كاملة، رافضا أن أدفع شيئا.

قد يقرأ البعض هذه الحادثة باعتبارها موقفا شخصيا عابرا، لكنني أراها تعبيرا عن ثقافة كاملة. فذلك التصرف لم يكن نابعا من معرفة عائلية أو مصلحة مشتركة، بل من شعور تلقائي بأن الموريتاني، أينما وجد، ليس غريبا عن أخيه الموريتاني.

ولم يكن هذا الموقف الوحيد. فمعظم الموريتانيين يملكون قصصا مشابهة عاشوها داخل البلاد أو خارجها قصصا عن أشخاص قدموا العون دون سابق معرفة أو فتحوا أبوابهم لوافدين لا تربطهم بهم إلا رابطة الوطن، أو وقفوا إلى جانب محتاج لأنهم رأوا في مساعدته واجبا أخلاقيا قبل أن تكون عملا اختياريا.

ويكفي أن يركب المرء سيارة أجرة في موريتانيا ليلمس جانبا من هذا الرصيد الإنساني ،فسرعان ما تنشأ بين الركاب أحاديث عفوية وتحايا متبادلة وأسئلة عن الأحوال، وقد يبادر أحدهم إلى مساعدة آخر أو البحث له عن حل لمشكلة يواجهها. وللوهلة الأولى قد يخيل للناظر أنهم أقارب أو أصدقاء قدامى، بينما الحقيقة أن معظمهم لم يلتق قبل تلك الرحلة. وهذه أمثلة يومية بسيطة، لكنها تكشف جانبا من روح الألفة والتراحم التي ما تزال حاضرة في المجتمع الموريتاني.

ولعل من أصدق الأمثلة التي تكشف طبيعة الإنسان الموريتاني وما يختزنه من قيم الكرم والمروءة ما حدث مع صانع المحتوى السعودي خالد العليان، الذي جاء إلى موريتانيا استجابة لدعوة طفل من مدينة كنكوصة أراد أن يهديه مصحفا. غير أن ما وجده الضيف عند وصوله تجاوز حدود اللقاء الفردي ،فمنذ أن وطئت قدماه أرض المطار، كان الناس في استقباله مرحبين ومحتفين، ثم رافقته مشاهد الترحيب على امتداد الطريق إلى كنكوصة.

وقد مررت بعد ذلك بمنشورات على مواقع التواصل تنتقد خروج الناس للترحيب به، وأتفهم هذا النقد لو تعلق الأمر بشعب يملك من عناصر الجذب ما يغنيه عن إبراز ذاته. لكن ما الذي يميزنا أكثر من الإنسان الموريتاني نفسه؟ فإذا كانت دول كثيرة تتباهى ببنيتها التحتية ومنتجعاتها ومعالمها العمرانية، فإننا نملك كنزا من نوع آخر: وجوها بشوشة، وقلوبا مفتوحة، وكرما فطريا، وروحا اجتماعية نادرة. لذلك لا ألوم من خرج مرحبا بضيف جاء إلى بلادنا، لأنه سيغادر في النهاية حاملا صورة عن شعب كامل، وسيتحدث عما رآه من حفاوة وكرم أكثر مما سيتحدث عن أي شيء آخر. أما إن كان ثمة ما يستحق العتاب، فهو تأخر تطوير بعض البنى التحتية والمرافق السياحية والطرق المؤدية إلى مواقعنا الأثرية والطبيعية.

وهنا تتجلى الثروة الحقيقية لموريتانيا ،ثروة لا تقاس بما في باطن الأرض، بل بما في قلوب أهلها من طيبة، وبما يحملونه من استعداد فطري لإكرام الضيف وإشعاره بأنه بين أهله أينما حل وارتحل.

والجدير بالملاحظة أن المرأة الموريتانية تحظى بنصيب خاص من هذه الرعاية الاجتماعية. فمن يسافر أو يتنقل داخل البلاد أو خارجها يلاحظ أن كثيرا من الناس يتعاملون معها باعتبارها مسؤولية جماعية، فيبادرون إلى مساعدتها وإرشادها والاطمئنان عليها. وليس ذلك انتقاصا من استقلاليتها، بل انعكاسا لمكانة راسخة في الوعي الاجتماعي تجعل احترام المرأة والعناية بها جزءا أصيلا من منظومة القيم السائدة.

ولا يعني هذا الحديث أن المجتمع الموريتاني مجتمع مثالي أو أنه بمنأى عن التحديات والتحولات التي يشهدها العالم. فالتغيرات الاجتماعية المتسارعة تترك آثارها في كل مكان، وموريتانيا ليست استثناء. غير أن ما يستحق الانتباه هو أن هذا المجتمع ما زال يحتفظ بقدر كبير من رأسماله الأخلاقي والإنساني رغم كل تلك التحولات.

إن المدن التاريخية يمكن ترميمها إذا تهدمت، والمخطوطات يمكن حفظها إذا تعرضت للتلف، لكن خسارة القيم الإنسانية أكثر صعوبة وأشد خطرا. لذلك فإن المحافظة على روح التضامن والتكافل والشهامة ليست شأنا اجتماعيا فحسب، بل هي أيضا مهمة ثقافية ووطنية.

لهذا أعتقد أن الحديث عن حماية التراث الموريتاني ينبغي ألا يقتصر على المباني والمخطوطات والآثار، بل يجب أن يشمل الإنسان الذي صنع هذا التراث وحمله عبر القرون. فالقيم التي تجعل الموريتاني يشعر بأن الآخرين جزء من أسرته الكبيرة هي نفسها التي حفظت المحاظر، وصانت الموروث الشفهي، وأبقت الثقافة حية في الذاكرة الجماعية.

وفي زمن تتشابه فيه المدن وتذوب فيه الخصوصيات الثقافية شيئا فشيئا، تبقى هذه الروح الإنسانية إحدى أجمل السمات التي تميز موريتانيا. إنها ثروة لا تقاس بالأرقام، ولا تعرض في المتاحف، ولا تسجل في قوائم التراث، لكنها ربما تكون أثمن من كل ذلك.

فإذا سألني أحد يوما عن أعظم مقدرات موريتانيا الثقافية، فلن أشير أولا إلى مدينة عتيقة أو مخطوط نادر، بل إلى الإنسان الموريتاني ،ذلك الإنسان الذي ما زال يؤمن بأن الآخر ليس غريبا، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه المرء في هذا العالم ليس أثرا من حجر، بل أثرا في قلب إنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى