ثلاثُ ساعات في مرمى السؤال || محمذن فال أحمد امين المسؤول الإداري والمالي لبرنامج مشروعي مستقبلي

ليلةَ الجمعة، وفي قاعة ازدحمت بإعلاميين من كل الأجيال وجميع التوجهات، جلس فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أكثر من مائةٍ وعشرين صحفيًّا ومدوّنًا موريتانيًّا، ومكث بينهم قرابة ثلاث ساعات، يجيب عن أربعة عشر سؤالًا لم تُشذَّب حوافُّها ولم تُنزع أشواكها. حدثٌ يستحقّ التثمين قبل أن يستحقّ التحليل؛ فهو أوّل لقاءٍ مباشر يجمع الرئيس بإعلام بلده منذ ستّ سنوات.
شجاعةُ الجلوس إلى السؤال
أيسرُ ما يفعله رجل الدولة أن يتحدّث من فوق منبرٍ لا يردّ عليه فيه أحد. وأصعبُ ما يُقدم عليه أن يضع نفسه في مرمى أسئلةٍ لا يعرف مسبقًا اتّجاهها. اختار الرئيس الطريق الأصعب، فكان أوّلَ ما وُوجِه به سؤالٌ عن المأمورية، ثم سؤالٌ عن الفساد وصفقات التراضي، ثم ثالثٌ عن قانون الرموز. ثلاثةُ أسئلةٍ ثقيلة، ما كان واحدٌ منها ليُطرح لو أراد فخامته لقاءً مريحًا يخرج منه بلا غبار.
الإصرارُ على إتمام الجواب
واللافتُ أنّ الرئيس، حين بلغ سؤال الفساد، منح إجابته أطولَ وقتٍ في اللقاء، وعاد إليها مرارًا يفنّدها نقطةً نقطة. وحين حاول مديرُ الجلسة تجاوز السؤال أكثر من مرّة، أصرّ فخامته على استكمال ما بدأه. وتلك أبلغُ صور الثقة: أن يرفض المسؤولُ طوق النجاة حين يُمدّ إليه، وأن يختار البقاء في الماء حتى يبلغ الشاطئ بنفسه.
ثم جاءت العبارةُ الأوضح في الليلة كلّها: مَن يملك دليلًا على فساد صفقاتٍ تخصّ أقاربي فليقدّمه إلى الجهات المختصّة. ليست هذه لغةَ من يحتمي بالمنصب، بل لغةَ من يُحيل خصومه إلى القضاء لا إلى الصمت. وأردفها بقاعدةٍ صارمة لا استثناء فيها: كلُّ موظفٍ تُثار حوله قضيةٌ أمام القضاء يُبعَد عن وظيفته حتى يصدر الحكم.
إنصافٌ وطموح
ومن شِيَم الكبار أن ينسبوا الفضل لأهله. فقد توقّف فخامته عند أداء حكومة معالي الوزير الأول السيد (المختار اجاي)، فأثنى على ما أنجزته من عملٍ مهمٍّ وجبّارٍ في ظروفٍ لم تكن سهلة، لا على مستوى المنطقة ولا على مستوى العالم بأسره، ونوّه بما حقّقته من نتائج كبيرة، وما نفّذته من إصلاحاتٍ ومشاريع تنموية، وما سُجّل من تقدّمٍ ملموسٍ في القطاعات الحيوية، وقال إنّه لا يملك إلّا أن يشيد بما تقوم به الحكومة، وأن ينوّه بالعمل الذي ينسّقه الوزير الأول وينفّذه أعضاؤها.
ولم يقف فخامته عند حدّ الثناء، بل أتبعه بما هو أنفعُ منه، تنبيهٌ إلى أنّ ما أُنجز — على جلالة قدره — لا يكفي، وأنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يحسب أنّ الأهداف قد بُلغت، ودعوةٌ إلى مواصلة العمل وتسريع وتيرة الإنجاز. وتلك سِمةُ القائد الذي يرفع السقف كلّما اقترب منه فريقُه، فيجعل من الإشادة حافزًا لا وسادة.
الشبابُ في صدارة الحصيلة
ومن أبهى ما جاء في اللقاء حديثُ فخامته عن الشباب، حين أعلن أنّ البلاد تجري أكبر اكتتابٍ في تاريخها بهدف ضخّ الدماء الشابّة في الإدارة العمومية. وليس هذا رقمًا يُضاف إلى الحصائل، بل خيارٌ في فلسفة الحكم، أن تُفتح أبواب الدولة لأبنائها الفتيان، وأن يُوثَق بهم مبكّرًا لا متأخّرًا.
وحقيقٌ بنا في هذا المقام أن نرفع أصدق التهاني إلى معالي وزير تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية، السيد (Mohamed Abdallahi Louly)، على ما تحقّق في قطاعه ونوّه به فخامة الرئيس. فالوزارة التي جُمع لها التشغيلُ والرعايةُ الشبابية والرياضةُ والخدمةُ المدنية، تحمل أثقل الملفات وأكثرها التصاقًا بحياة الناس، وقد أعلنت في حصيلتها الأخيرة توفير نحو خمسةٍ وثلاثين ألف فرصة عمل.
تهنئةٌ يستحقّها معالي الوزير وفريقه؛ فثناءُ فخامة الرئيس لا يُنال بالتمنّي، وإنّما يُنتزع بالعمل الصامت الطويل.
صدقُ الشعور والتزامُ الدستور
وفي سؤال قانون الرموز بدا فخامته على سجيّته، متألّمًا بصدقٍ ممّا وصفه بتدنّي مستوى النقاش العام؛ وهي من أصدق الصور التي ظهرت تلك الليلة، إذ لا يتألّم للشأن العام إلّا من يحمله همه في قلبه. ولم يمنعه ذلك من أن يختم ردّه بأنّ باب الحوار يبقى مفتوحًا أمام كلّ الملفات، وهذا القانون منها.
أما في شأن المأمورية فقد قال جملةً تُقيّد قائلها: لا أدعم أيّ مسارٍ يخالف الدستور أو إرادة الشعب.
تُقال هذه في العلن، أمام مائةٍ وعشرين شاهدًا وكاميرا مفتوحة على خمسة ملايين آخرين، فتصير التزامًا يُحاسَب عليه صاحبه، لا وعدًا يُنسى في زحمة الأيام.
وبعد؛
خرج فخامة الرئيس من الليلة وقد أكّد اعتزازه بإعلام بلده، وأبدى استعداده لتكرار التجربة كلّما طُلب منه ذلك. وهذه أهمُّ من كلّ جوابٍ قيل: أن تتحوّل المكاشفةُ من حدثٍ استثنائيٍّ يُؤرَّخ به، إلى عادةٍ لا يُلتفت إليها لكثرة ما تتكرّر. وإن ثبتت هذه العادة – ولا نشكّ أنّها ثابتة – فسيكون ما جرى ليلة الجمعة أوّلَ الغيث، لا جولته الوحيدة.
زر الذهاب إلى الأعلى