حين يبتلع العالم الافتراضي دفء المجتمع | أحمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي

 

لم يعد من الغريب أن تدخل مجلسًا عامرًا بالناس، فتجد الصمت سيد المكان. لا لأن الحديث قد انتهى، بل لأن الجميع منشغلون بالنظر إلى شاشات هواتفهم. في بيت الأسرة، وفي مقهى الحي، وحتى في المناسبات الاجتماعية، أصبح كل فرد حاضرًا بجسده وغائبًا بعقله، يعيش في عالم آخر لا يراه من حوله.

هذا المشهد، الذي كان قبل سنوات قليلة استثناءً، أصبح اليوم جزءًا من الحياة اليومية في موريتانيا. فقد دخلت وسائل التواصل الاجتماعي كل بيت، واستقرت في جيوب الجميع تقريبًا، حتى غدت أول ما نفتح أعيننا عليه صباحًا، وآخر ما نودعه قبل النوم.

لا أحد يستطيع إنكار ما قدمته هذه المنصات من خدمات. فقد قربت المسافات، وفتحت نوافذ واسعة على العالم، ومنحت الشباب فرصًا للتعلم والعمل والتسويق وإيصال أصواتهم. كما ساهمت في إنجاح حملات التضامن، وسهلت وصول المعلومة، وأعادت تشكيل المشهد الإعلامي بطريقة لم يكن أحد يتوقعها.
لكن، كما يحدث مع كل نعمة عندما يغيب عنها الاعتدال، بدأت الكفة تميل نحو الإفراط.

في موريتانيا، لم يعد استخدام وسائل التواصل مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول لدى كثيرين إلى أسلوب حياة. ساعات طويلة تُستهلك في تصفح منشورات متشابهة، ومقاطع قصيرة تتوالى بلا نهاية، ونقاشات محتدمة لا تنتهي غالبًا إلى نتيجة. يخرج المرء منها وقد استنزف وقته وطاقته، دون أن يشعر بأنه اكتسب معرفة حقيقية أو أنجز شيئًا يستحق.

المؤلم أن هذا الانهماك لم يبق حبيس الهواتف، بل بدأ ينعكس على طبيعة المجتمع نفسه. فموريتانيا التي عُرفت بمجالسها العامرة، وصلاتها الأسرية المتينة، وثقافة السمر وتبادل الحديث، بدأت تفقد شيئًا فشيئًا تلك التفاصيل الجميلة. أصبح الأب والأم والأبناء يجلسون في غرفة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش داخل شاشة مختلفة. تراجعت الأحاديث الطويلة، وخفتت الضحكات العفوية، وأصبح الصمت الرقمي يحل محل دفء اللقاء.

ولم يقتصر الأمر على الحياة الاجتماعية. ففي الفضاء العام، تحولت منصات التواصل إلى ساحات مفتوحة للنقاش السياسي والفكري، وهو أمر صحي في أصله، لكنه كثيرًا ما ينقلب إلى حالة من الاستقطاب الحاد، حيث تطغى الانفعالات على الحجج، وتنتشر الشائعات أسرع من الحقائق، ويصبح إصدار الأحكام أسهل من البحث عن المعلومات.

ومن الظواهر التي تستحق التوقف أيضًا، ذلك السباق المحموم نحو الشهرة الرقمية. فعدد الإعجابات والمتابعين أصبح عند البعض معيارًا للنجاح، حتى وإن كان الثمن التخلي عن الخصوصية أو تقديم محتوى سطحي لا يضيف شيئًا للمجتمع. والأسوأ أن كثيرًا من الشباب باتوا يقيسون قيمتهم بما تحققه منشوراتهم من تفاعل، لا بما يحققونه في دراستهم أو أعمالهم أو حياتهم الواقعية.

وربما تكمن المفارقة في أن موريتانيا، وهي من أكثر المجتمعات اعتزازًا بروابطها الاجتماعية، أصبحت تواجه تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على تلك الروابط أمام زحف العالم الرقمي. فالخطر لا يتمثل في التكنولوجيا نفسها، وإنما في أن تحل العلاقات الافتراضية تدريجيًا محل العلاقات الإنسانية التي صنعت تماسك المجتمع عبر عقود طويلة.

ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نحاكم وسائل التواصل وحدها. فهي لا تفرض على أحد كيف يستخدمها، ولا تحدد مقدار الوقت الذي نقضيه أمامها. نحن من نفعل ذلك. فالتكنولوجيا، في نهاية المطاف، تشبه المرآة؛ تعكس ما نختار أن نكونه.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إعلان الحرب على وسائل التواصل، ولا الدعوة إلى هجرها، فذلك لم يعد ممكنًا في عالم أصبح رقميًا إلى حد بعيد. المطلوب هو استعادة التوازن. أن نستخدم هذه المنصات دون أن تسمح لنا باستخدامنا. أن نخصص وقتًا لأسرنا كما نخصص وقتًا لهواتفنا، وأن نعود إلى الكتاب كما نعود إلى الشاشة، وأن ندرك أن أجمل اللحظات هي التي تترك أثرا في النفوس.

زر الذهاب إلى الأعلى