سمات التجربة الصينية المبهرة/ محمد فال محمدن

عندما وصلتُ الصين ضمن وفد مجموعة من الصحفيين كان معلوماتي غامضة عن هذا البلد الكبير، ولا تتجاوز بعض المعلومات السطحية التي نقرؤها في محركات البحث على الانترنيت، غير أن 20 يوما قضيتها في هذا البلد الجميل أعطني جرعة معلومات هامة توفر أرضية صلبة لفهم حقيقة البلد وإزالة كتلة الغموض والانطباعات الخاطئة عن دولة عظيمة،شقت طريقها بنفسها ونحتت تجربتها التقدمية الخاصة محققة معجزة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
وأود ان أتقاسم مع القارﺉ بعض هذه سمات وخصائص وسمات هذه التجربة في سياقها العام ولعلي أعود لاحقا إلى الانطباعات الشخصية التي عشتها إنسانيا خلال 20 قضيتها في هذا البلد .
يمكن تلمس خصائص هذه التجربة الصينية في مجموعة من السمات التي ميزت “المدرسة الصينية” وأسفرت عن ما نراه من طور تنموي وعلمي وتكنلوجي ومن مزاحمة الغرب بل والتفوق عليه أحيانا في ميادين كان يحتكرها ٱى وقت قريب
ومن ابرز هذه السمات والخصاﺉص ما يلي
أولا: الاعتزاز بالذات الحضارية
لعل أهم سمات المعجزة الصينية هي المصالحة مع الذات والتمسك بالجذور التاريخية والحضارية، فقد شقت الصين طريقها الخاصة، وبنت تجربتها انطلاقا من خصوصية الصين وتأسيسا على مقوماتها التاريخية والحضارية.
ومن أهم تجليات ذلك المسار الذي اختطه الحزب الشيوعي الصيني – دون غيره من الأحزاب الاشتراكية- من حيث المصالحة من الذات الحضارية الصينية وعدم استيراد التجارب الجاهزة وهو ما أثمر نظام حكم جماعي صلب وناجح قاد عملية انفتاح وسياسي واقتصادي ضخم وأحدث نقلة نوعية في هذا البلد رغم الصعوبات وأسس لمبادرات سياسية ذكية وخلاقة ربطت الصين بعلاقات وثيقة مع مختلف دول العالم وقدمت نموذجا باهرا في الحكم والإدارة، وما تزال نجاحات هذه المبادرات في تقدم مضطرد .
ومن ملامح هذه النجاحات في الفترة الأخيرة مبادرة الحزام والطريق التي اطلقها الرئيس شي جين بينغ لتجعل من طريق الحرير جسرا يربط الحاضر بالماضي ويفتح آفاقا رحبة للتعاون بين الصين والعالم من خلال تعميق الأواصر الثقافية والتاريخية وتنشيط التبادل التجاري لتحقيق المصالح المشتركة.
ثانيا: كسب معركة التنمية
الملمح الثاني الذي يميز التجربة الصينية يكمن في الانطلاق من بناء الإنسان أولا ، وكسب معركة التنمية وذلك من خلال مشاريع تنموية مبهرة لمكافحة الفقر والقضاء عليه وإقامة البنية التحتية اللازمة للتطور العلمي والصناعي، حيث أصبحت الصين “مصنع العالم” وأكثر دولة من حيث نسبة النمو الاقتصادي السنوي .
ولم يأت ذلك من فراغ بل من خلال معركة مريرة للقضاء على الفقر وإنجاز سلسلة من المشاريع والبرامج لخلق فرص العمل وشق الطرق وبناء المنشآت وتحديث المجتمع وكسب معركة بناء الصين من الداخل وتأسيس قاعدة صلبة لتطور الصين وقوتها، ليس بوصفها قوة عالمية فحسب بل نموذجا يحتذى في مجالات التنمية والقضاء على الفقر والحفاظ على البيئة وبناء منظومات متكاملة لخدمة المواطن وتحقيق مطامحه ورفاهيته.
ولا يخفى على القارﺉ الكريم صعوبة المواءمة بين بناء الدولة بالتوازي مع تحقيق التنمية خاصة في بلد مثل الصين يتجاوز عدد سكانه مليارا وربع، وكان يعيش إلى عهد قريب اقتصادا تقليديا يقوم على الزراعة وبأساليب بدائية وبسيطة.
إنها معجزة الصين الباهرة التي يحق لها ان تفخر بها أيما فخر، ويحق لها أن تزهر بها بين الأمم، ف حققت هذه الأمة العظيمة نصرا ساحقا على الفقر وحقق اقتصاد الصين قفزة عملاقة بفضل ما عرف عن الصينيين من حكمة وحنكة وبراعة، وبفضل القيادة الصينية الفذة التي برعت في التخطيط والتنفيذ ووصلت الصين القمة في فترة وجيزة.
ثالثا : مد الجسور
النجاح في معركة التنمية وترتيب البيت الداخلي لم يجعلا الصين تغفل عن مد جسور التعاون مع دول العالم، وتميزت علاقات الصين بدول العالم خاصة الدول النامية بميزة نادرة في العلاقات الدولية، فقد نسجت الصين علاقات أخوية عميقة مع دول الجنوب وتميزت باحترام هذه الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية .
وقد روى الرئيس الموريتاني الاسبق المختار ولد داداه جانبا من ذلك في مذكراته حين قال إن ما قدمته الصين من مساعدات لموريتانيا ما بعد الاستقلال كان نابعا من الصداقة النزيهة وخلا من أي شروط أو تدخل في الشؤون الداخلية وهو أمر نادر في العلاقات الدولية خاصة في حقبة الستينيات والسبعينيات.
وكلنا يعلم ما تقوم به الدول العظمى في الماضي والحاضر من تدخلات فجة واستغلال مشين لظروف الدول النامية، لكن الصين اختارت مد جسور إلى العالم النامي عبر سلسلة مبادرات ومن أبرزها مبادرة الحزام والطريق.
هذه المباردة التي وفرت فضاء رحبا للتعاون الدولي ونموذجا مثاليا للعلاقات الدولية القائمة على أسس القانون الدولي والشراكة وبناء جسور التواصل بين الأمم والحضارات، وتحقيق المصالح المشتركة.
إن مبادرة الحزام والطريق من أهم ما تفتقت عنه العبقرية الصينية، تأسيسا على نجاحات الصين وبناء على تاريخ ممتد من العلاقت بين العالظ العربي والصين عبر طريق الحرير.
وقد أعلنت الصين مطلع العام الجاري إلغاء التعرفة الجمركة مع العديد من الدول الأفريقية ومنها موريتانيا وذلك لتشجيع التبادل التجاري مع هذه الدول، وهذا نموذج لخطط الصين الطموحة لناء علاقات مثمرة وبناءة وتعزيز التجارة الدولية وتحقيق المصالح المشتركة.
تلكم أهم سمات المعجزة الصينية وأبرز مميزات تجربتها الرائدة، تجربة يمكن الاستفادة منها واستلهامها من قبل الدول النامية لمعالجة التحديات وتحقيق أهداف التنمية والرخاء الاقتصادي والاجتماعي.
لقد أبهرت الصين العالم بما حققته من إنجازات ضخمة في مختلف المجالات الأمر الذي يستدعى الاستفادة من هذه التجربة واستلهامها خاصة بالنسبة لدولنا العربية والافريقية .
ويمكن في هذا السياق إنجاز التفاقيات تعاون مع الصين والاستفادة مما وصلت إليه من تطور وتقدم ولا شك أن مبادرة الحزام والطريق فرصة ثمينة توفرها الصين لتحقيق المصالح المشتركة والدفع نحو عالم أكثر عدالة وتطورا .
بقلم محمد فال محمدن
صحفي موريتاني