أروامـــه

جدو ولد خطري

 

في خريف البادية، حين تتنفس الأرض بعد غياب السحاب، وتُزهر الأرض بثوبها الأخضر الذي طال انتظاره، كان “لفريگ” قد نزل على تل رملي ناعم يطل على وادٍ فسيح تتخلله أشجار الطلح و أتيل و آدرس وشجيرات أصباي، وتترامى خلفه جبال شاهقة كأنها حراس للأرض. وقت العصر، والشمس تميل للغروب، والظلال تطول على الخيام المنسوجة من وبر الإبل وشعر الماعز. في ذلك التل، كان “لفريگ” معروفًا بأنه تجمع لعلماء أفاضل، لكنهم منفتحون، يحبون الحياة والضحك، لا يضيقون بالمرح ما لم يخرج عن الأدب. وكان يوم “لربعة” عطلة المحظرة التي يسكت فيها صوت التلاميذ وترتاح “الألواح” الخشبية، فاجتمع فتية المخيم تحت ظل شجرة طلح عتيقة يتسامرون ويضحكون ويبحثون عما يلهيهم قبل أذان المغرب، إذ مر عليهم رجل راكب على سرج فوق حمار، يدلي نعليه كأنه أمير، بينما ابنه الصغير يسير خلفه حافيًا لا تعقل له نعل، يتألم من حصى الوادي وشوك “تيشط” و”تمگلصت”، وسرواله مليء بـ”إِنِيتي” و”إنسمر”. قال أحد الفتية: “والله ما لهذا الوالد ينفر من ولده، ينقصه الحنان الأبوي، ولا بد له من ‘أَرْوامّه’ كما نروم الناقة إذا نفرت عن حوارها.” فالروامه عند البدو فن بدوي أصيل، تختلف صعوبته بحسب الحالة؛ فالناقة “ألمستكتتل” التي مات حوارها أصعب في الترويم من الناقة “أمْبكر” التي ترفض مولودها الأول “بكرها”، كما أنه يختلف بحسب شدة النفور، فيبدأ من “أتگياد” و”أتدباش” و”أتخلال” و”أترصان” و”أتكوزيز” وصولاً إلى “أتولتيم” حتى تذعن وتشفق على صغيرها. أمسك الفتية بالرجل المذعور وربطوه بجذع طلح قوي، وربطوا ابنه إلى جانبه، وشرعوا في ترويمه على ولده، والرجل يصرخ ويستنجد بأهل “لفريگ”، والفتية يضحكون ويصرون: “لابد أن تروّم وتظهر الرأفة.” بعد ساعة من الصراع والربط، مر بهم شيخ المحظرة، رجل وقور بيده “مقـرج مُشگر” يلمع، يرتدي دراعة زرقاء تحتها دراعة بيضاء فيما يعرف بـ”أتْغربي أَصَاگ”، فتطلع إلى المشهد بدهشة وقال لهم بهدوء وصوت غليظ: “هو ما طمع؟” فسقط الفتية من الضحك والرجل من التعب.

تذكرت هذه القصة وأنا أتصفح “فيس بوك” فأرى مشهداً آخر يشبهه لكن بثياب مختلفة: نواب في قبة البرلمان جلسوا على مقاعدهم كأنها سرج، رفعوا أرجلهم على مكاتب الصفقات الخاصة، وأداروا ظهورهم لأصوات الجوعى في القرى النائية. في الجلسات العلنية، يسألون عن كل شيء إلا عن هموم المواطن، وتُرفع أصواتهم دفاعاً عن مصالح ضيقة لا تخدم إلا جيوبهم. أما القضايا العامة الممثلة لانشغالات الشعب والوظائف التشريعية والوظائف الرقابية، فتبقى معلقة في الدهاليز كأنها “إنيتي” و”إنسمر” في ثياب الصبي الحافي. تذكرت “گاف” للمرحوم أحمد با يقول: “يدبيتات أخير لكم، فالرئيس أديرو ليد، هو إن يشأ يذهبكم، ويأتي بخلق جديد”. فكيف لبلد يقوده فخامة الرئيس بهذا النهج الرائد المتسم بالحكمة والرزانة، الذي حوّل التآزر من كلمة في الخطابات إلى برامج تنفذ على الأرض، ومن نظرية في الأدراج إلى بطون الجائعين قبل أن تنام عيونهم، ثم نجد نواباً لم يتخذوا من فخامته أسوة، بل انقلبوا على معنى القدوة فكانوا بالشعب أشد نفوراً من الناقة النافرة عن حوارها؟ إنهم “نوافر” عن دوائرهم تماماً كنفور الناقة عن فصيلها، لا حنان ولا رأفة ولا تذكير بذلك النهج الرحيم الذي يخطه الرئيس يومياً في أرض الواقع. فحان وقت “الترويم”: هل “طمعو” يوماً لأجل الشعب؟ فإن لم “يطمعو”، يُقام عليهم “أتدباش وأتخلال” الإعلامي وصولاً إلى “أتولتيم” الانتخابي. وحينها يمر شيخ الضمير ويسأل: “هوم ما طمعوا؟” فلتكن الإجابة “لا” فليذهبوا، أو “نعم” فليرضعوا الثقة. لكن يبقى السؤال: متى يشعر النائب أن ابن دائرته أولى بالحذاء من رجليه؟

زر الذهاب إلى الأعلى