أزمة الطاقة في موريتانيا: من لهب الأسعار إلى رماد الغابات

تشهد موريتانيا، على غرار العديد من دول العالم، تداعيات متسارعة لأزمة الطاقة العالمية التي تفاقمت بفعل الاضطرابات الجيوسياسية، الناجمة عن الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وما صاحبها من إغلاق لأهم الممرات البحرية. وقد انعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على أسعار المحروقات محليا، حيث أعلنت الحكومة عن زيادات في أسعار البنزين والديزل بلغت 15% و 10% على التوالي، وذلك في سياق تقليص الدعم الحكومي وارتفاع الأسعار العالمية، ونتيجة لاعتماد البلاد الكبير على واردات الطاقة، التي تمثل نحو 30% من إجمالي الواردات، ما يجعل الاقتصاد شديد التأثر بتقلبات السوق الدولية.

 

غير أن التأثير الأخطر لهذه الأزمة لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل يمتد إلى البيئة بشكل مباشر. فمع ارتفاع أسعار الغاز المنزلي، الذي يعد المصدر الرئيسي للطهي لدى الأسر في الوسط الحضري، يتوقع أن تتجه شريحة واسعة من السكان إلى بدائل أقل تكلفة، وعلى رأسها الفحم الخشبي. هذا التحول، الذي قد يبدو حلا مؤقتا لتخفيف الأعباء المعيشية، يحمل في طياته مخاطر بيئية جسيمة، خصوصا في بلد يعاني أصلا من هشاشة أنظمته البيئية.

 

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن سياسات دعم غاز البوتان خلال السنوات الماضية ساهمت في الحد من الاعتماد على الحطب والفحم، وبالتالي حماية الغطاء النباتي من الاستنزاف، إذ مكن انتشار استخدام الغاز من تقليص ظاهرة قطع الأشجار لأغراض الطهي، وهو ما اعتبر أحد النجاحات البيئية المهمة في موريتانيا. لكن الارتفاع الحالي في الأسعار، الذي وصل إلى نحو 66%، يهدد بنسف هذه المكاسب تدريجيا.

 

وفي هذا السياق، حذرت تقارير بيئية من أن عودة الطلب على الفحم ستؤدي إلى تنشيط شبكات الإنتاج التقليدي، التي تعتمد أساسا على القطع العشوائي للأشجار. وكانت وزارة البيئة الموريتانية قد أكدت سابقا أن هذه الممارسات “أثقلت كاهل البيئة” وأصبحت من أبرز التحديات التي تواجه البلاد. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، قد تتوسع هذه الأنشطة بشكل غير مسبوق، خاصة في المناطق الريفية وشبه الحضرية.

 

وتكمن خطورة هذا التحول في تأثيره المباشر على الغطاء النباتي، الذي يشكل خط الدفاع الأول ضد التصحر. فموريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي، تقع ضمن نطاق الساحل الإفريقي، أحد أكثر المناطق هشاشة أمام التغيرات المناخية. ويؤدي تراجع الغطاء النباتي إلى تسارع زحف الرمال، وتدهور التربة، وانخفاض الإنتاج الزراعي، ما يعمق بدوره من دائرة الفقر والهشاشة البيئية.

 

كما أن صناعة الفحم التقليدية تعد مصدرا مهما لانبعاثات الكربون، مما يفاقم من ظاهرة الاحتباس الحراري على المستوى المحلي والعالمي. فعملية تحويل الخشب إلى فحم تتم غالبا بطرق بدائية، تتسبب في إطلاق كميات كبيرة من الغازات الدفيئة، دون أي رقابة بيئية فعالة. وبالتالي، فإن ارتفاع الطلب على الفحم لا يمثل فقط تهديدا للغابات، بل أيضا مساهمة إضافية في تغير المناخ.

 

وتظهر التجارب السابقة أن التراجع عن استخدام الغاز لصالح الفحم يمكن أن يعيد البلاد سنوات إلى الوراء في مجال حماية البيئة. فبعد جهود استمرت أكثر من عقد لتشجيع الطاقات النظيفة، من خلال دعم قنينات الغاز وتوسيع استخدامها، قد تجد موريتانيا نفسها أمام انتكاسة بيئية تعيدها إلى نقطة البداية، إن لم يتم تدارك الوضع بسياسات استباقية.

 

في ضوء ذلك، تبدو الحاجة ملحة لاعتماد مقاربة متوازنة تجمع بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين والحفاظ على البيئة. ويشمل ذلك تعزيز دعم الغاز للفئات الهشة، وتطوير بدائل نظيفة مثل الطاقة الشمسية، وتشديد الرقابة على قطع الأشجار. فبدون تدخل سريع، قد تتحول أزمة الطاقة من تحد اقتصادي مؤقت إلى أزمة بيئية طويلة الأمد، تدفع البلاد ثمنها لأجيال قادمة.

 

 

محمدن محمد فال

ناشط مناخي

زر الذهاب إلى الأعلى