الحوار السياسي في موريتانيا: بين سقف الدستور وحدود التوافق/ أحمد محمد حماده

في لحظة كان يُفترض أن تؤسس لانطلاقة هادئة لحوار سياسي يُعوَّل عليه في إعادة ترتيب المشهد الوطني، انفجر الخلاف مبكرًا حول مسألة “المواد المحصنة” في الدستور، ليتحوّل النقاش من مجرد تحديد جدول أعمال إلى مواجهة صريحة حول طبيعة النظام السياسي وحدود التغيير الممكن داخله.
ما حدث في الجلسة الأولى ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس تعقيدًا مركبًا يتداخل فيه السياسي بالقانوني، والمبدئي بالبراغماتي، ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل الحوار في موريتانيا مفتوح على كل الاحتمالات، أم أنه محكوم بسقوف دستورية لا يجوز تجاوزها؟

أولًا: البعد السياسي – صراع على تعريف “الممكن”
الخلاف بين المعارضة والأغلبية لا يتعلق فقط بإدراج بند ضمن جدول الأعمال، بل يعكس رؤيتين متباينتين:
المعارضة ترى أن إدراج المواد المحصنة يمثل انزلاقًا نحو فتح “المحرم الدستوري”، بما قد يهدد توازنات النظام ويُفقد الحوار مصداقيته كآلية للإصلاح لا للتأسيس من جديد.
الأغلبية تعتبر أن أي حوار جاد يجب أن يكون شاملًا، وأن استثناء بعض المواد يُفرغ العملية من مضمونها ويجعلها شكلية.
هذا التباين يكشف أن كل طرف لا يناقش فقط “نصوصًا”، بل يتحسس موازين القوة ومستقبل السلطة. فالحوار، في جوهره، ليس مجرد نقاش أفكار، بل إعادة توزيع للشرعية السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى