طبيعة التفكير في المجتمع الموريتاني: من ذاكرة الصحراء إلى سؤال الإبداع المؤجل

يستحيل مقاربة طبيعة التفكير في المجتمع الموريتاني دون الغوص في طبقاته العميقة، حيث تتشابك الجغرافيا بالتاريخ، وتتماهى المعرفة مع شروط البقاء، وتتشكل أنماط العقل قبل أن تتشكل المؤسسات. فالصحراء لم تكن مجرد فضاء جغرافي قاسٍ، بل كانت رحمًا معرفيًا خاصًا، فرض على الإنسان أن يجعل من الذاكرة خيمته الأولى، ومن الحفظ وسيلته الأساسية للنجاة، ومن الشفاهة نظامًا لتداول العلم والمعنى. في هذا السياق، لم يكن الحفظ ترفًا معرفيًا، بل ضرورة وجودية، ولم تكن الذاكرة خيارًا ثقافيًا، بل شرط حياة.

وقد أنجبت هذه الشروط عقلًا استثنائيًا في قدرته على الاستظهار، مدهشًا في دقة الحفظ، قويًا في استدعاء النصوص والأنساق. غير أن هذه العبقرية ذاتها، حين استقرت وتحولت من وسيلة إلى غاية، بدأت تفرض قيودًا بنيوية على تطور أدوات التفكير النقدي والإبداعي. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: عقل فذّ في الحفظ، متردد في السؤال؛ واسع في الاستدعاء، ضيّق في التأويل؛ قوي في النقل، حذر في الإبداع.

تؤكد دراسات علم النفس المعرفي، منذ أبحاث هيرمان إبنجهاوس حول آليات الذاكرة، وصولًا إلى نظرية الذكاءات المتعددة عند هوارد غاردنر، أن الحفظ في ذاته ليس نقصًا معرفيًا، بل يتحول إلى عائق حين ينفصل عن الفهم، وحين يُغلق على ذاته ويُقدَّم بوصفه نهاية الطريق لا بدايته. فالذاكرة، حين لا تُستثمر في التحليل والتركيب والنقد، تتحول من طاقة معرفية إلى عبء ذهني، ومن أداة للوعي إلى قيد على التفكير.

هذه الإشكالية تتجلى بوضوح في البنية التعليمية التقليدية في المجتمع الموريتاني، حيث تحوّل حفظ المتون – في الفقه والنحو والبلاغة والعقيدة – من مدخل للفهم إلى بديل عنه. وهو ما تنبّه له ابن خلدون منذ قرون، حين حذّر في مقدمته من أن كثرة المختصرات والمتون “تفسد الملكة”، لأنها تشغل الذهن بالحفظ عن الفهم، وتقتل روح الاستنباط، وتُعوّد العقل على القبول بدل الفحص. والمفارقة أن هذه الملاحظة الخلدونية، التي صيغت في سياق تاريخي بعيد، تجد اليوم صداها الحي في التجربة الموريتانية.

لقد راكم المجتمع الموريتاني تراثًا علميًا ضخمًا، يُثير الإعجاب من حيث الكم والعمق النصي، لكنه – على نحو paradoxical – عجز في كثير من الأحيان عن تحويل هذا الرصيد إلى وعي تاريخي نقدي قادر على محاورة العصر. وكأن المعرفة توقفت عند لحظة الجمع، ولم تُستكمل بمرحلة الفهم، ثم التجاوز، ثم الإبداع.

في هذا السياق، يلفت عدد من المفكرين الموريتانيين المعاصرين، وفي مقدمتهم الدكتور محمد المختار ولد أباه، إلى أن الإشكال لا يكمن في “المحظرة” كنظام معرفي، بل في تجميدها خارج الزمن. فالمحظرة، في أصلها، كانت مؤسسة إنتاج معرفة، وحاضنة اجتهاد، وفضاء نقاش حي. لكن حين عُزلت عن التاريخ، وتحولت إلى مؤسسة إعادة تدوير للنصوص، فقدت قدرتها على التفاعل مع الأسئلة الجديدة. فالعقل الذي يُدرّب فقط على قول “قال فلان”، دون أن يُسأل: لماذا قال؟ وفي أي سياق؟ وهل ما قاله ما يزال صالحًا؟، هو عقل يُنتج علماء حفظ، لا مفكرين؛ وناقلين، لا مجددين.

من زاوية فلسفية، يمكن قراءة هذا الواقع في ضوء نقد إيمانويل كانط لما سماه “القصور العقلي”، أي عجز الإنسان عن استخدام عقله دون وصاية. فثقافة المتون، حين تنفصل عن مقاصدها العقلية، تُنتج أجيالًا تخشى السؤال، وتعدّ النقد قلة أدب، والاجتهاد تهديدًا، والاختلاف خروجًا عن الجماعة. وهنا تتحول بعض العبارات المتداولة في الوعي الشعبي من صيغ دعاء إلى مؤشرات ثقافية عميقة. فالعبارة الصحيحة: «رحم الله السلف وبارك في الخلف»، حين تُفرغ من معناها التوازني، ويُستبطن منها تمجيد الماضي على حساب الحاضر، تتحول إلى قطيعة رمزية بين الأجيال، وإلى لاوعي جمعي يرى في الخلف خطرًا لا امتدادًا.

وتدعم علوم التربية الحديثة هذا التشخيص؛ إذ تُظهر دراسات بيداغوجيا التفكير النقدي أن الأنظمة التعليمية القائمة على التلقين والحفظ وحدهما تُنتج ما سماه باولو فريري “العقل المصرفي”، حيث يُنظر إلى المتعلم بوصفه وعاءً يُملأ لا ذاتًا تفكر. وهو توصيف لا يخص التعليم التقليدي وحده، بل يمتد – في كثير من الأحيان – إلى التعليم النظامي، حين يرث الروح ذاتها، ويغيّر الشكل دون المضمون.

وتكمن المفارقة الأشد إيلامًا في أن المجتمع الموريتاني، الذي أنجب نوابغ في اللغة والفقه والحفظ، لم يُنتج بالقدر نفسه مدارس فلسفية كبرى، أو مشاريع فكرية نقدية ممتدة، أو قراءات جديدة جريئة للواقع السياسي والاجتماعي والديني. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: كيف لعقل يحفظ آلاف الأبيات أن يعجز عن إنتاج سؤال معاصر واحد؟ والجواب، كما يبدو، لا يكمن في ضعف الذكاء، بل في توجيه الذكاء ضد ذاته.

كان مالك بن نبي دقيقًا حين فرّق بين تكديس المعرفة وبناء الفكرة، وبين “العالم” و“المثقف”. فالمشكلة ليست في قلة المعلومات، بل في غياب الفكرة الناظمة، وفي العجز عن تحويل التراث إلى طاقة نقدية فاعلة. وهو ما يفسر طغيان الخطاب الاجتراري، الذي يكرر مقولات صيغت في سياقات تاريخية مغايرة، دون وعي بتحولات الدولة، والاقتصاد، وبنية الإنسان المعاصر.

إن تجاوز هذا المأزق لا يكون بمحاربة التراث، ولا بالسخرية من المتون، بل بإعادة إدماجها داخل مشروع عقلاني نقدي، يُعيد الاعتبار للسؤال، ويصالح بين الحفظ والفهم، بين النص والواقع، بين الذاكرة والتاريخ. فكما يقول غاستون باشلار: “العلم لا يتقدم إلا ضد المعرفة السابقة”، أي عبر نقدها وتجاوزها، لا عبر تقديسها.

وحين نتأمل مسار الفكر الإنساني، من الجاحظ الذي رأى أن المعرفة ليست تكديسًا بل إصابة للمعنى، إلى الغزالي الذي حذّر من علم بلا روح، إلى ابن رشد الذي جعل العقل شريكًا للنص لا خصمًا له، إلى نيتشه الذي نبّه إلى خطر تمجيد الماضي، إلى الجابري الذي فكك بنية العقل البياني حين ينغلق، ندرك أن أزمة التفكير ليست قدرًا، بل خيارًا ثقافيًا يمكن مراجعته.

ختامًا، يمكن القول إن مأزق التفكير في المجتمع الموريتاني هو مأزق انتقال لم يكتمل: انتقال من ذاكرة الصحراء إلى عقل التاريخ، ومن ثقافة الاستظهار إلى ثقافة السؤال، ومن إجلال السلف إلى مسؤولية الخلف. ولن تكون البركة في الخلف فعلًا إلا حين تُفهم العبارة في معناها الكامل: رحمة بالسلف عبر فهمهم في سياقهم، وبركة في الخلف عبر الاعتراف بحقهم في الاجتهاد والسؤال.

حينها فقط، تتحول الذاكرة من مخزن إلى أفق، ومن سجن جميل إلى جسر، ويستعيد العقل الموريتاني قدرته على الجمع بين عمق التراث وجرأة الإبداع، في وفاء هادئ للعقل، وللتاريخ، وللإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى