رمضان فرصة العمر: ابدأ المصالحة مع الله اليوم /احمد الدوه الشنقيطي

يأتي شهر رمضان كل عام ليمنح المؤمن فرصة متجددة لعقد مصالحة صادقة مع الله؛ مصالحة تُبنى على التوبة، وتُثمر طمأنينة في القلب، واستقامة في السلوك، وأملاً في النجاة يوم القيامة. فليس أعظم على العبد من أن يُصلح ما بينه وبين ربّه، لأن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس.

لقد دعا القرآن إلى هذه المصالحة دعوة واضحة صريحة، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8]،

وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

فالفلاح كل الفلاح في توبة نصوح، توبةٍ تصدر عن ندم صادق، وإقلاع عن الذنب، وعزمٍ على عدم العودة إليه.

ورمضان هو موسم التوبة بامتياز؛ فيه تُصفّد الشياطين، وتُفتح أبواب الجنان، كما قال النبي ﷺ:

«إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين» (متفق عليه).

وفيه أيضًا ينادي منادٍ كل ليلة: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر» (رواه الترمذي).

إن المصالحة مع الله تبدأ بمحاسبة النفس، كما قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].

ينظر العبد في صلاته: هل أدّاها بخشوع؟

وفي لسانه: هل صانه عن الغيبة والبهتان؟

وفي قلبه: هل طهّره من الحسد والكبر وسوء الظن؟

وهي أيضًا عودة إلى القرآن، كتاب الهداية الذي أُنزل في هذا الشهر المبارك:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185].

فالقرآن ليس للتلاوة فحسب، بل للعمل والتدبر والتزكية.

ثم إن المصالحة الحقيقية تقتضي ردّ الحقوق إلى أهلها، وإصلاح ما أفسدته الخصومات، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وقد قال النبي ﷺ: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم» (رواه البخاري).

رمضان ليس محطة عابرة، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة مع الله على أساس القرب والمحبة والرجاء. قال تعالى في أخصّ آيات رمضان:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186].

قريب من التائبين، قريب من الداعين، قريب من القلوب المنكسرة بين يديه.

فلنجعل من هذا الشهر نقطة تحوّل، نطوي فيها صفحة الغفلة، ونفتح صفحة جديدة مع الله، علّنا نكون ممن قال فيهم سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

تلك هي المصالحة الكبرى… مصالحة تُحيي القلب، وتُصلح الطريق، وتمنح الإنسان سلامًا لا يُشترى، لأنه سلام مع الله.

زر الذهاب إلى الأعلى