فلسفة غزواني (15) : التآزر/ محمد افو

في خطاب الرئيس اليوم والذي لم يتجاوز العشر دقائق، حضرت مفردات : الرحمة، التآخي، الإنصاف، التكامل، التآزر، العدل، الكرامة، التساوي في الفرص، التساوي في الحقوق، الإدماج الاجتماعي، تعميم التأمين الصحي، العدالة الاجتماعية، مكافحة الغبن والهشاشة، تحسين حياة المغبونين، التغيير. هذا الحضور المكثف لم يعبر عن حشوي لغوي ؛ إنما عبر عن إعلان تموضع سياسي واضح ومؤكد ، يحدد الجهة التي ينحاز إليها رأس الدولة، ويكشف زاوية النظر التي تُبنى عليها السياسات.
فحين يتم التأكيد على أن “التآزر قيمة اجتماعية وقيمة جمهورية”، وأنه “ليس منّة ولا إحسانًا”، فإن النقاش ينتقل من دائرة العاطفة إلى دائرة الالتزام.
فالدولة، وفق هذا الفهم، ليست متبرعًا، بل طرفًا في معادلة الحق والواجب. والتآزر ليس مبادرة ظرفية، بل أداة قانونية وأخلاقية لاسترجاع حقوق تعطلت أو انتقصت.
في هذا السياق يمكن قراءة فلسفة التآزر عن الرئيس غزواني بوصفها تعاقدًا أخلاقيًا مع الفئات المغبونة. الرجل لا يقدم نفسه وسيطًا محايدًا بين القوي والضعيف، بل يتبنى موقع الوكيل عن الذين لا صوت لهم في موازين السوق والإدارة، إنه يتحدث بلسانهم حين يضع “مكافحة الغبن والهشاشة” في صدارة الأولويات، ويجعل “تحسين حياة المغبونين” معيارًا لقياس نجاح السياسات. هذه ليست لغة تعاطف، بل لغة مرافعة.
وإذا كان المحامي يستند في دفاعه إلى النصوص، فإن سياسات الإدماج الاجتماعي والتأكيد على التساوي في الحقوق والفرص تشكل، في هذا المنظور، أدوات استرداد لحق مضيع ، حق في الفرصة والكرامة.
والعدالة هنا ليست شعارًا عامًا، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الإنصاف. فحين يُحرم فرد من فرصة عادلة، فإن الدولة مسؤولة عن تصحيح الخلل، لا عن الاكتفاء برصد آثاره.
هذا التموضع ينعكس مباشرة على مفهوم الأمن الاجتماعي. الأمن لا يُختزل في ضبط المجال العام، بل يبدأ من شعور المواطن بأن النظام العام يحميه من الغبن. كل سياسة تقلص الهشاشة هي، في جوهرها، تدعيم للاستقرار. وكل إجراء يعيد الاعتبار لمن تضرر من اختلالات سابقة هو تعزيز للثقة في المؤسسات العامة . ومن دون هذه الثقة لا تستقيم تنمية ولا تستقر وحدة.
أما على مستوى التنمية، فإن الانحياز للفئات الضعيفة ليس خيارًا عاطفيًا، بل رؤية عقلانية. لأن إدماج المهمشين في الدورة الاقتصادية يوسع قاعدة الإنتاج ويزيد من فعالية الاستثمار العمومي. حين تتاح الفرصة على قدم المساواة، تتحول الطاقات المعطلة إلى قوة دفع. وهنا يلتقي البعد الاجتماعي بالبعد التنموي: وتتشمل قاعدة مفادها أن استرجاع الحق ليس عبئًا على الاقتصاد، بل شرط من شروط كفاءته.
من خلال هذا كله تتضح معالم منهج: رئيس يضع نفسه في موقع المسؤولية الأخلاقية المباشرة عن الفئات الأضعف، ويترجم ذلك إلى سياسات تعيد توزيع الفرص وتحمي الكرامة.
محمد افو
امين عام حزب الكرامة