المعارضة ليست مجرد سب وتسفيه

تعتبر المعارضة السياسية أحد الأعمدة الأساسية في أي مجتمع يسعى إلى التقدم والاستقرار، فهي ليست مجرد موقف مضاد للسلطة، بل وظيفة رقابية وفكرية تسهم في تصحيح المسار، وكشف مواطن الخلل، وتقديم البدائل..ومن دون معارضة واعية وفاعلة، تتحول السلطة إلى صوتٍ واحد، ويغيب التوازن الذي تحتاجه الحياة العامة.
بيد أن هذه الأهمية الكبيرة للمعارضة لا تمنحها مبررًا لتجاوز حدود الأخلاق أو الانحدار إلى مستوى السب
والقدح والتجريح الشخصي، خاصة حين يكون الخطاب موجها إلى رئيس الدولة أو أي مسؤول عام.
إن الفرق بين النقد السياسي والاعتداء اللفظي فرق جوهري لا ينبغي الخلط بينه، فالنقد ينصب على القرارات والسياسات والبرامج، ويُبنى على الحجة والدليل والتحليل المنطقي، أما السب والقدح فهما موجهان إلى الشخص ذاته، ويتخذان من الإهانة وسيلة للتعبير، ومن الانفعال بديلاً عن البرهان ،وحين يتحول الخطاب السياسي إلى ساحة للشتائم، فإنه يفقد قيمته الفكرية، ويتحول إلى مجرد صراع عاطفي لا يثمر إصلاحًا ولا يقنع جمهورًا.
وقد تعلمنا من تاريخينا الإسلامي أن قوة الأفكار لا تحتاج إلى ألفاظ جارحة كي تثبت حضورها، فالخطاب الراقي هو الذي يربح العقول قبل أن يستثير المشاعر، ويكسب الاحترام حتى من الخصوم، أما الانحدار إلى مستوى الإساءة، فهو غالبا دليل على ضعف الحجة وضيق الأفق ، فحين يعجز البعض عن نقد قرار أو سياسة بلغة منطقية، يلجأ إلى الهجوم الشخصي، وكأن الشتيمة تعوض نقص الدليل …
كما أن للخطاب السياسي أثرًا عميقا في تشكيل وعي المجتمع وثقافته، فإذا انتشرت لغة السب في المجال العام، تسللت تدريجيا إلى العلاقات الاجتماعية، وأصبحت سمة مألوفة في النقاشات اليومية،وهنا يكمن الخطر الحقيقي إذ لا يتوقف الضرر عند حدود السياسة، بل يمتد ليؤثر في قيم الاحترام والتسامح داخل المجتمع بأسره، وعندما يعتاد الناس خطاب الإهانة، يتراجع الحوار، ويعلو الصخب، ويزداد الاستقطاب.
ومن المهم التأكيد أن رفض السب والقدح لا يعني تكميم الأفواه أو مصادرة حرية التعبير، بل على العكس، إن حرية التعبير تزداد قوة حين تُمارَس بمسؤولية فالمعارضة القوية يمكن أن تكون حازمة، وصريحة، وحتى قاسية في نقدها، لكنها تظل ملتزمة بحدود اللياقة واحترام الكرامة الإنسانية، ويمكن للمعارض أن يرفض سياسات الحكومة بشدة، وأن يطالب بتغييرها عبر الوسائل القانونية، وأن يكشف الأخطاء والتجاوزات، دون أن يتخلى عن لغة راقية تحفظ له احترامه أمام من يمثلهم…
إن المسؤولية لا تقع على المعارضين وحدهم، بل تشمل كل الفاعلين في المشهد العام: إعلاميين، مدونين ، حقوقيين ، وحتى المواطنين العاديين. فوسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، منحت الجميع منبرا مفتوحا، لكنها في الوقت نفسه سهلت انتشار الخطاب المتشنج، وفي غياب الوعي الأخلاقي، قد تتحول هذه المنصات إلى ساحات تراشق بدل أن تكون فضاءات للنقاش المثمر.
إن الارتقاء بالخطاب السياسي مسؤولية جماعية، وهو شرط أساسي لبناء مجتمع متماسك، فالمعارضة ليست معركة كرامات، ولا منافسة في إطلاق الأوصاف الجارحة، بل هي سعي مشترك -وإن اختلفت التوجهات-نحو مصلحة الوطن و المواطن وكلما ارتقينا في لغة النقاش، اقتربنا من تحقيق الاستقرار والنضج السياسي.
وفي الختام،من أراد أن يغيّر واقعًا، فليجعل كلمته أداة إصلاح، لا وسيلة إساءة،لأن المجتمعات تُبنى بالحوار، لا بالشتائم، وبالأفكار، لا بالإهانات….
محمد محمد المختار