فلسفة غزواني (14) : رباط المواطنة

صحيح أن فخامة الرئيس أضاف عبارة جديدة إلى قاموسه السياسي لكن هذه العبارة لا تمثل تحولا جديدا في رؤيته لهذا الرباط ولا عمق قناعاته به.
لكنه بالتأكيد وجد العبارة الأكثر دقة في التعبير عن قناعاته وتوجهاته التنموية والاجتماعية.
فالمواطنة بمفهومها العام هي رابطة، وهناك فرق بين الرابطة والرباط.
فالرابطة تعني منظومة القيم والقواسم المشتركة التي تربط بين أفراد المجتمع ، أما الرباط فهو القيم الحامية لتلك المنظومة والقواسم المشتركة.
وهو – إلى ذلك – مفهوم مشحون بحمولة وطنية تاريخية في البعدين، اللغوي والتاريخي.
الرباط يعني الملازمة والثبات، وهو أيضا أداة الربط والشد الحامية من الإفلات.
وبهذا المعنى عرف عندنا الرباط والمرابطون.
وبهذا الاستقراء يكون الرباط أداة لحماية المواطنة ولصيقا لها بهدف وغاية الثبات والحماية.

و تندرج هذه العبارة “رباط المواطنة” ضمن المفاهيم السياسية التي تعكس تصوراً معيناً لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تحيل إلى فكرة التماسك الاجتماعي القائم على توازن الحقوق والواجبات، وعلى حضور الدولة كفاعل منظم ومصحح للاختلالات الاجتماعية، خاصة تلك المرتبطة بالفئات الهشة.
وخلال السنوات الأخيرة، برز توجه في السياسات العمومية نحو إعطاء بعد اجتماعي أوضح لعمل الدولة، من خلال برامج تستهدف الأسر محدودة الدخل، وتوسيع النفاذ إلى الخدمات الأساسية، ومحاولة تقليص الفوارق المجالية في مجالات الصحة والتعليم والبنى التحتية. ويمكن قراءة هذا التوجه في إطار مقاربة أوسع تسعى إلى الحد من الهشاشة بوصفها عاملاً معيقاً للاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
كما يلاحظ انتقال تدريجي من تدخلات ذات طابع ظرفي إلى سياسات أكثر ارتباطاً بالبنية التنموية العامة، حيث أصبح البعد الاجتماعي جزءاً من التخطيط التنموي وليس مجرد مجال منفصل عنه. ويظهر ذلك في الربط بين برامج الدعم الاجتماعي ومشاريع البنى التحتية، أو بين تحسين الخدمات الأساسية ومحاولة خلق فرص اقتصادية محلية.
ومن زاوية تحليلية، فإن هذا النوع من السياسات يعكس قناعة متزايدة داخل العديد من الدول النامية بأن معالجة الفقر والهشاشة لا يمكن أن تتم عبر التحويلات المالية وحدها، بل تحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد تشمل التعليم والصحة والاندماج الاقتصادي. غير أن فعالية هذه السياسات تظل مرتبطة بجودة الاستهداف، واستمرارية التمويل، وقدرة الإدارة على التنفيذ والمتابعة والتقييم.
كما أن الحديث عن “رباط المواطنة” يطرح بعداً آخر يتعلق بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهي مسألة أصبحت مركزية في النقاشات المعاصرة حول الحوكمة. فكلما شعر المواطن بوجود حد أدنى من العدالة في توزيع الخدمات والفرص، زادت قابلية المجتمع للتماسك، وانخفضت احتمالات التوتر الاجتماعي.
وفي السياق الموريتاني، تكتسب هذه المقاربة خصوصية إضافية بحكم التفاوت المجالي، وتحديات التنمية في بعض المناطق الداخلية، إضافة إلى البنية الاجتماعية التي تجعل السياسات الاجتماعية ذات أثر مباشر على الاستقرار العام. لذلك، فإن توجيه السياسات نحو الفئات الهشة لا يُقرأ فقط من زاوية اجتماعية، بل أيضاً من زاوية الاستقرار السياسي والاقتصادي.

بذلك، يمكن فهم مفهوم “رباط المواطنة” باعتباره إطاراً نظرياً يحاول الربط بين العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي، من خلال سياسات عمومية تستهدف تقليص الفوارق وتعزيز الاندماج الاجتماعي، مع بقاء نجاح هذه المقاربة رهيناً بمدى قدرتها على الثبات والاستمرار والاستقرار.

لقد نجح فخامة الرئيس في تدمير حالة عدم اليقين بين الدولة والمجتمع، والتي ظلت قائمة لعقود طويلة وعززت بدورها نمو الفساد باعتباره شرعيا في ظروف الشك تلك.
لقد نجح في ربط المواطن مع الدولة دون وسيط ونشأت الثقة في تلك العلاقة نتيجة دخول المواطنين الأكثر حاجة في قلب اهتمام الدولة دون بذل أي جهود لنيل تلك الامتيازات والحقوق.
وأصبح الوقت مناسبا لتكليف المواطن بلعب دور الحامي المسؤول عن حماية مقدراته ومنجزاته، وبالتالي أصبح الوقت مناسبا لإطلاق مفهوم كهذا (رباط المواطنة) الذي بموجبه يحمي الأهالي مدارسهم من التلف والضياع وسوء التنفيذ أو الصيانة.
لقد دخل المواطن مرحلة جديدة من الشراكة والمسؤولية، كفيلة بتعزيز وترقية التضامن الوطني.

محمد افو

زر الذهاب إلى الأعلى