لماذا يحتاج العالم اليوم إلى علماء من طراز عبد الله بن بيه؟

في زمن تتكاثر فيه الأصوات المرتفعة، وتتسع فيه دوائر الاستقطاب، وتستدعى النصوص الدينية أحيانا لتبرير العنف بدل تقويمه يبرز نموذج العالِم المجدد بوصفه حاجة حضارية لا ترفا فكريا. ويأتي في مقدمة هذه النماذج العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، الذي قدم للعالم الإسلامي والإنساني تجربة فكرية رصينة جعلت من السلم مقصدا، ومن الأمن ضرورة أخلاقية، ومن الاختلاف مدخلا للتعارف لا للصدام.
إن فكر الشيخ بن بيه لا يقوم على ردود الأفعال ولا ينحاز إلى منطق الغلبة بل يستند إلى فقه المقاصد وترتيب الأولويات، واستحضار المآلات، وهي أدوات علمية أصيلة مكنته من مقاربة قضايا العصر بروح العالم المسؤول، لا الخطيب المعبّئ. ومن هنا جاءت دعوته للسلم بوصفها مشروعا معرفيا متكاملا، لا خطابا ظرفيا أو موقفا سياسيا عابرا
ولو قدر للأمة الإسلامية، بل للعالم بأسره، أن يحتضن خمسة أو ستة علماء من هذا الطراز، يحملون ذات العمق العلمي ونفس البصيرة الأخلاقية، لكان بالإمكان تجفيف كثير من منابع الفتن، وإخماد عدد غير قليل من بؤر الصراع قبل تحولها إلى حروب مفتوحة. فالعنف في كثير من تجلياته ليس وليد الجهل وحده، بل ثمرة خطاب ديني مأزوم، يختزل النصوص، ويغفل المقاصد، ويستسهل التكفير والإقصاء.
يمثل الشيخ عبد الله بن بيه مدرسة فكرية ترى أن وظيفة العالم لا تقتصر على بيان الحلال والحرام، بل تتعداها إلى حفظ السلم الاجتماعي وصيانة كرامة الإنسان وترشيد الفعل الديني حتى يكون عامل بناء لا أداة هدم. وهي رؤية تنطلق من مركزية الإنسان في الخطاب الديني ومن كون الرحمة مقصدا أعلى من مقاصد الشريعة، لا شعارا يرفع عند الحاجة.
إن الدعوة إلى السلام، في تصور هذا النهج ليست دعوة إلى الاستسلام أو التفريط، بل هي اختيار أخلاقي شجاع، يدرك تعقيدات الواقع، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويقدم مصلحة الاستقرار والأمن العام على نزعات الصدام والفوضى. ولهذا وجدت هذه المقاربة صداها في الأوساط الفكرية والدينية الدولية، وفتحت آفاقا جديدة للحوار بين الأديان والثقافات.
ختما إن الحاجة إلى علماء من طراز الشيخ عبد الله بن بيه لم تعد مسألة فكرية محضة، بل ضرورة إنسانية ملحة فالعالم اليوم، المثقل بالأزمات والحروب، أحوج ما يكون إلى عقول راشدة، وقلوب واسعة، وفقه يعيد للدين دوره الأصيل: هداية الإنسان، وبناء السلام، وترسيخ الأمل في مستقبل تتآخى فيه الإنسانية بدل أن تتناحر.
خولة لحبيب