فلسفة غزواني (13) : الإنصات للناس/ محمد افو

غزواني، لأهالي كيهيدي : *”نحن جايين هون يكانا نصنتولكم”*

في السياسة، لا يكون الكلام دائمًا دليل قوة، كما لا يكون الصمت علامة تردد. أحيانًا تكون الحكمة في التمهل، وفي إفساح المجال للآخرين كي يقولوا ما لم يُقل، وفي تحويل الإصغاء من سلوك شخصي إلى قاعدة حكم. من هذا المنظور يمكن قراءة تجربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لا بوصفه رئيسًا يُكثر من الاستماع، بل بوصفه رجل دولة جعل من الإنصات مدخلًا للفهم، ومن الفهم أساسًا للقرار.

منذ وصوله إلى السلطة، بدا واضحًا أن الرئيس غزواني لا يتعامل مع الشأن العام بعقلية الخطاب العالي أو الوعود السريعة، بل بمنطق التراكم الهادئ للمعرفة الاجتماعية. فالدولة، في نظره، لا تُدار فقط عبر التقارير الرسمية والمؤشرات الإحصائية، بل عبر التقاط نبض المجتمع، وفهم اختلالاته، والإصغاء لما يقوله الناس حين يُمنحون فرصة التعبير بعيدًا عن الضجيج والاصطفاف. هذا الاختيار لم يكن تكتيكًا ظرفيًا، ولا محاولة لامتصاص ضغط اجتماعي عابر، بل كان تعبيرًا عن فلسفة حكم ترى أن القرار الرشيد يسبقُه استماع عميق، وأن الشرعية لا تُستمد فقط من النصوص الدستورية، بل تُبنى أيضًا من الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم.

لقد أخذ الاستماع عند الرئيس غزواني طابعًا مؤسسيًا لا استعراضيًا. لم يتحول إلى طقس إعلامي، ولا إلى استعراض ميداني سريع، بل ظل ممارسة هادئة تراكمت عبر اللقاءات، والزيارات الداخلية، والتواصل مع المنتخبين والفاعلين الاجتماعيين، ومع الفئات التي اعتادت أن تكون بعيدة عن مركز القرار. وفي مجتمع تتقاطع فيه المطالب الاقتصادية مع الحساسيات الاجتماعية، يصبح الاستماع في حد ذاته رسالة سياسية، مفادها أن الدولة حاضرة، وأنها مستعدة للفهم قبل الحكم، وللتشخيص قبل المعالجة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاستماع لا تظهر في لحظة الإصغاء نفسها، بل في ما بعدها. فالإنصات الذي لا يفضي إلى فعل يبقى مجرّد تعاطف أخلاقي، أما حين يتحول إلى سياسات عمومية، فإنه يصبح عنصرًا بنيويًا في الحكم. ومن أبرز تجليات ذلك ما عُرف بالبرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية، الذي لم يأتِ بوصفه مبادرة معزولة أو استجابة تقنية مجردة، بل نتيجة مباشرة لتراكم الشكاوى والتعبيرات الصادقة عن حاجات الناس في الداخل، خصوصًا في ما يتعلق بالماء والكهرباء والصحة والتعليم وفك العزلة. لقد شكّل هذا البرنامج مثالًا واضحًا على انتقال الدولة من الاستماع إلى الفعل، ومن تشخيص المعاناة إلى إدراجها ضمن أولويات القرار العمومي.

في هذا السياق، لا يمكن فهم البرنامج الاستعجالي باعتباره مجرد أداة تدخل سريعة، بل بوصفه ترجمة عملية لفلسفة ترى أن التنمية لا تُفرض من الأعلى، ولا تُصمم فقط في المكاتب، بل تُبنى انطلاقًا من الواقع كما يعبّر عنه المواطنون أنفسهم. وهنا يتجلى الفرق بين الاستماع بوصفه سلوكًا شعبويًا، والاستماع بوصفه مدخلًا لصناعة السياسات. الأول يكتفي بترديد المطالب، والثاني يحوّلها إلى خيارات، ويُخضعها لإمكانات الدولة وترتيب أولوياتها، دون أن يُفرغها من معناها الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن فلسفة الاستماع عند الرئيس غزواني لا تعني تعليق القرار، ولا السعي إلى إرضاء الجميع. فالدولة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالإجماع المطلق، ولا تُبنى على تلبية كل الرغبات. الاستماع هنا ليس نقيض الحزم، بل شرطه الأخلاقي. فالرئيس يستمع ليقرر، لا ليستسلم، ويصغي ليُقدّر الكلفة الاجتماعية للخيارات، لا ليتهرب من مسؤوليتها. وفي هذا التوازن الدقيق بين الفهم والحسم، تتشكل صورة سلطة هادئة، تعرف متى تُنصت، ومتى تحسم، ومتى تتحمل تبعات القرار.

في بلد عانى طويلًا من فجوة الثقة بين المواطن والإدارة، يكتسب هذا المنهج دلالة خاصة. فالاستماع لا يعالج فقط نقص الخدمات، بل يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة القريبة، التي ترى في المواطن شريكًا في التشخيص لا مجرد متلقٍ للقرارات. ومن هنا، يمكن القول إن فلسفة الاستماع عند الرئيس غزواني ليست مجرد سمة شخصية، بل محاولة لإرساء أخلاق جديدة في ممارسة السلطة، قوامها التواضع المعرفي، واحترام التجربة الميدانية، والإيمان بأن فهم المجتمع شرط لا غنى عنه لبناء سياسات قابلة للحياة.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر برئيس يُكثر من الاستماع، بل بدولة تحاول أن تتعلم من واقعها، وأن تصحح مسارها عبر الإنصات قبل التدخل. وإذا كان الكلام يصنع اللحظة، فإن الاستماع يصنع المسار. وفي زمن السياسة المتعجلة، قد يكون هذا الخيار الهادئ هو أكثر الخيارات راديكالية وعمقًا.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى