جائزة شنقيط… فعل وطني داعم للإبداع في البلد/ المهندس محمد محمود ولد الصيام

في زمن تتسابق فيه الدول إلى الاستثمار في المعرفة بوصفها ركيزة أساسية للتنمية والنهضة، تبرز جائزة شنقيط بوصفها واحدة من أبرز المبادرات الثقافية في موريتانيا، وجائزة وطنية تحمل بعدًا رمزيًا ومعنويًا يتجاوز حدود التكريم، ليصل إلى جوهر الهوية العلمية والثقافية للبلاد.

تحمل الجائزة اسم شنقيط، الاسم الذي ارتبط تاريخيًا بالعلم والعلماء، وبالإشعاع المعرفي الموريتاني في العالمين العربي والإسلامي.

ومنذ إطلاقها، شكلت الجائزة فضاء للاعتراف بالجهد الفكري والبحث العلمي، ومنبرًا سنويًا للاحتفاء بالمبدعين في مجالات الدراسات الإسلامية، والعلوم والتقنيات، والآداب والفنون، مؤكدة حضور الثقافة بوصفها عنصرًا فاعلًا في البناء الوطني.
الرعاية الرسمية التي تحظى بها الجائزة دليل على إيمان الدولة بدور العلم والثقافة في بناء المجتمع، وتؤكد أن الإبداع خيارًا استراتيجيًا مرتبطًا بالتنمية والاستقرار الرمزي للأمة.

أسهمت جائزة شنقيط في إعادة الاعتبار للمبدع والباحث الموريتاني ، ومنحته مساحة للتقدير والاعتراف داخل وطنه أولًا، وهو ما يشكّل خطوة أساسية نحو انفتاحه على فضاءات أوسع.

كما لعبت دورًا مهمًا في تشجيع الأجيال الجديدة على خوض غمار البحث والكتابة والإبداع، في بلد عُرف تاريخيًا بالمحاظر، وبالعلماء، وبثراء الرواية الشفوية والذاكرة الثقافية.

وفي السنوات الأخيرة، شهد حقل الأدب داخل جائزة شنقيط تحولًا لافتًا، حيث باتت الجائزة تُمنح لأعمال روائية، وهو ما يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا قادرًا على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية، والتعبير عن أسئلة الهوية والذاكرة والواقع المعاصر.

هذا التوجه أسهم في تعزيز مكانة الرواية الموريتانية، ومنحها اعترافا مؤسسيا يُشجّع الكتاب على تطوير التجربة السردية والانخراط في أفق إبداعي أرحب.

بينما تركز بعض الجوائز في باقي البلدان على البعد الإقليمي والدولي، وتُعنى بالترويج الواسع والنشر والترجمة، تضطلع جائزة شنقيط بدور تأسيسي عميق، يرتكز على دعم المعرفة داخل السياق الوطني، مع انفتاح مدروس على المحيط العربي والدولي.

هذا التنوع في التجارب يعكس ثراء المشهد الثقافي العربي، حيث لا تلغي جائزة أخرى، بل تتكامل الأدوار وتتقاطع في هدف مشترك هو خدمة الإبداع العربي وتعزيز حضوره.

ما يميز جائزة شنقيط هو قدرتها على الجمع بين الأصالة العلمية والرهان على الحاضر والمستقبل؛ فهي متجذّرة في الإرث الثقافي الموريتاني، ومنفتحة في الوقت نفسه على أسئلة العصر وتحدياته. ومن هنا، فإن إشعاعها لا يُقاس بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بعمق أثرها في البيئة الثقافية، وبما تخلقه من حراك فكري ونقاش معرفي متجدد.

تظل جائزة شنقيط ركيزة أساسية في المشهد الثقافي الموريتاني، وجسرًا يربط التاريخ العلمي العريق بطموحات الإبداع المعاصر.

وهي، في سياقها العربي، ليست أقل شأنًا من غيرها من الجوائز، بل مختلفة في رسالتها، متكاملة في دورها، ومؤهلة لأن تكون نموذجًا وطنيًا يُحتذى في جعل الثقافة خيارًا دائمًا للدولة والمجتمع، وفي ترسيخ المعرفة بوصفها أداة وعي وبناء وتجديد.

زر الذهاب إلى الأعلى