في تأبين الدكتور والداعية إزيد بيه الإمام/ عبد الله الشريف

المرحوم الدكتور ازيد بيه الإمام

في تأبين الدكتور والداعية

إزيدبيه ولد محمدنا ولد الإمام الديشفي الجكني الوسري

إن الكتابة عن الراحلين أمر بالغ الصعوبة؛ لأنها في جوهرها عمل ذهني ووجداني معًا، يستمد مادته من الفكرة والشعور، ويتكئ على الذاكرة والوفاء. وهي – فوق ذلك – حقٌّ للراحلين وواجب تجاه الأجيال المعاصرة واللاحقة، إذ يسعى الكاتب فيها إلى أن يؤلف بين حرارة المودّة والأخوة، وبرودة المصداقية والموضوعية، ليقدّم شهادة تاريخية تحفظ للراحل جِدَّه واجتهاده، وتخلّد قصته الخاصة، فيغدو مثالًا صالحًا للاقتداء والتأسي.

وهي أيضًا مناسبة لأن يعبّر أبناء الصحراء عن مكانة أحبّتهم في النفوس، وعن عمق الصلة التي تربطهم بالروح والوجدان.

وقد حبَا الله الراحلَ الدكتور إزيدبيه بسمات تؤهله لأن يَألف ويُؤلَِف: ظرافةً ولباقةً، وذوقًا رفيعًا، وأخلاقًا جمّة، وسجايا من النبل والفضل لا تخطئها العين.

فنسأل الله أن يتغمّده وصاحبيه بواسع رحمته ومغفرته، وأن يبدلهم دارًا خيرًا من دارهم، في جناتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.

سمات بارزة في شخصية الفقيد

يمكن تلخيص الحديث عن الراحل الدكتور إزيدبيه في ثلاث خصال كبرى لازَمته طوال مسيرته، القصيرة في حساب الزمن، العريضة في الأثر والمعنى:

العصامية والاستقلالية

الهمة العالية والعزيمة الصلبة

حسن الذوق ورفيع الخلق

نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ وَالإِقْدَامَا

وَصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا حَتَّى عَلا وَجَاوَزَ الأَقْوَامَا

النشأة وبدايات طلب العلم

حسب شهادات أصدقائه وأبناء عمومته، خصوصًا ابن عمه وصديق طفولته الشيخ بوي ولد الإمام -إمام مسجد أسامة بن زيد بالكصر-، فإن إزيدبيه لم يكن كسائر الأطفال والمراهقين؛ فقد كان طلب العلم هجيراه وشغله الشاغل منذ نعومة أظفاره.

بدأ تعليمه الابتدائي المعروف محليًا بـ«أدمكي» في قرية أهله “لجديدة”، ثم انتقل لدراسة القرآن الكريم على خاله الشيخ محمد المختار ولد اكاهة – رحمه الله تعالى –، وقبيل الختم، وفي سن العاشرة تقريبًا، انتقل إلى الشيخ سيدي محمد ولد اعل بوط، -رحمه الله تعالى- فختم عليه القرآن الكريم وعمره أربع عشرة سنة.

ثم ركب سيارة متجهة إلى عدل بكرو، قاصدًا محظرة بابا ولد أحمد سيلوم – رحمه الله –، على بُعد نحو تسعين كيلومترًا من لجديدة، ومكث فيها قرابة عام، قبل أن يرتحل إلى محظرة أم كفّة بتمبدغة، حيث أقام نحو سنة ونصف، وغادرها وهو في السادسة عشرة من عمره.

وعند عودته إلى لخيام، وبينما كانت همّة أقرانه تتجه إلى الهجرة التجارية نحو إفريقيا، كان له مسار آخر؛ رسم لنفسه خطة مختلفة، لم تمهله سوى أيام قليلة حتى غادر، موهمًا والديه بنيته العودة إلى تمبدغة، بينما كان قد عزم أمره على الرحيل إلى نواكشوط، ولما يتجاوز السابعة عشرة.

إلى نواكشوط: بداية التحوّل

سمع من ابن خاله إزيدبيه ولد محمد المختار ولد اكاهة – الذي كان له في مقام الأخ الأكبر والموجّه – عن محظرة العون، وربما كان له أيضا أثر واضح في اهتمامه بالأصول والمقاصد وعلوم الحديث، ويبدو أنه أول من زرع في نفسه العناية بالدعوة إلى الله.

شدّ الرحال إلى الشيخ محمد الأمين ولد الحسن – رحمه الله –، ووصل إلى محظرته بعد قصة طريفة، إذ لم يكن يعرف من وصفها إلا أنها «عند كرفور بي إم دي»، فأنزله السائق في حي كرفور، ليكتشف أن المحظرة ليست في ذلك الموضع. فركب حافلة أخرى حتى كلينك، وحين نزل الركاب جميعًا، أبى النزول حتى يوصله السائق إلى محظرة العون، فاتفقا على ذلك بمبلغ مئتي أوقية.

وصل المحظرة مستأجرًا حافلة كاملة، فتعجّب الطلاب من هذا القادم الغريب، وكأن في المشهد بشارة مبكرة بأن لهذا الشاب شأنًا.

مكث في محظرة العون بين عامي 1997–1998، ودرس نظم «حملة المسومي» في رسم القرآن الكريم، ثم تنقّل بين عدد من المحاظر، أبرزها محظرة السنة، قبل أن يستقر لدى الشيخ صدافة ولد محمد البشير مطلع عام 2000م، حيث نال الإجازة في القرآن وعلومه، ودرس أثناء ذلك شيئًا من الحديث وعلومه على إمام المسجد المجاور لصيدلية البرء.

ثم انتقل إلى الشيخ أحمدو ولد حمديت التندغي – رحمه الله –، فدرس عليه الألفية وبعض الفقه، ومن لطيف القدر أنهما توفيا في اليوم نفسه، رحمهما الله جميعًا.

من المحظرة إلى التعليم النظامي

بعد هذا المسار الحافل في أفياء المحاظر، التحق بمنابر الدعوة الوسطية في نواكشوط، وحضر دروسها وفعالياتها، وهو يواصل مسار الدراسة النظامية، فحصل على شهادة الباكالوريا في نواكشوط، ليلتحق بعدها بالمعهد العالي، ويتخرج منه سنة 2009م، بعد رحلة شاقة تطلبت كثيرًا من العصامية ومكابدة الظروف.

وإلى جانب دراسته، كان له حضور بارز في العمل الجمعوي والشبابي، ثقافيًا وفكريًا ودعويًا، فكان شعلة نشاط، ومثالًا للالتزام بما آمن به والسير فيه بثبات.

الرحلة إلى المغرب وما بعدها

بعد التخرج، قرر الرحيل إلى المغرب لمتابعة الدراسات العليا، رغم ضيق ذات اليد. وغياب المساند له في هذا المسار حدثه بعض من سبقوه من خلّانه إلى المغرب أن : «المهم أن تصل هناك وتكون قضية وبعدها ستجد الحل». وكنت شاهدًا على صناعة هذه “القضية” المغامرة، حين أوصلته إلى سوق مسجد المغرب، حيث شاحنات التجار المغاربة المتجهة شمالًا، فبدأ رحلة ثلاثة آلاف كيلومتر وهو يردّد:

إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه ونكَّب عن ذكر العواقب جانبَا

إذا هم لم تردع عزيمة همه ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا

ولم يستشرْ في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا

فشق طريقه بالجد والاجتهاد، حتى نال شهادة الماجستير في المقاصد الشرعية.

ثم تنقّل بين قطر وتركيا قرابة عقد من الزمن، وقدم خلال هذه العشرية إلى تونس حتى نال شهادة الدكتوراه في المقاصد الشرعية، وبقي طوال هذا المسار كما هو صاحب الهمة العالية والإرادة الصلبة ،على بساطة وتواضع، ولين ورفق وسهولة عشرة شهد بذلك طلاب تونس كما شهد به الطلاب في المغرب.

وكان خلال إقامته في إسطنبول عنوانًا لجمعية منارة شنقيط، جمع الوافدين من الطلاب على الخير، وألّف بين قلوبهم، وبث فيهم روح العلم والدعوة وحسن الخلق.

العودة إلى الوطن وخدمة القضية

قبل عام أو يزيد، قرر العودة إلى الوطن، وكأنه يسابق الزمن ليقدّم عصارة تجربته في المؤسسات الأكاديمية والعمل العام. وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في وجدانه، فكان للرباط الوطني معه موعد مؤثّر، ترك فيه بصمة واضحة، وأسهم في إنشاء اثنين وعشرين فرعًا داخل البلاد، وجاب الوطن رابطًا بينها، حاثًا على البذل، ومنظمًا لجهود الدعم، حتى أدّى الفرض الكفائي عن الجميع.

الخاتمة

وحين حانت المنية، جاءتْه وهو على الطريق التي أحبّها وسلكها قديمًا: طريق العلم. فقد كان في رحلة علمية إلى جامعة المحظرة في أكجوجت، رفقة زملائه البررة، فخلّف رحيله حزنًا عميقًا وأثرًا بالغًا في نفوس من عرفوه وخالطوه، بما عُرف عنه من خلق رفيع، وذوق مهذّب، ولباقة في التعامل.

 

نسأل الله أن يجعله مع الشهداء الذين أحبّهم وعمل لهم، وأن يحشره مع نبينا محمد ﷺ، وأن يجعل ما أصابه وزملاءه رفعة في الدرجات، وأن يبوّئهم أعلى منازل الفردوس، ولا أرانا ولا أراهم مكروهًا.

عبد الله الشريف

زر الذهاب إلى الأعلى