التأبين والرثاء: المفهوم والضوابط الشرعية/ الشيخ محمد ولد السالم

يُعدّ تأبين الميت ، ولا سيما إذا كان من العلماء أو الصالحين أو أهل الخير والإحسان ، من القضايا التي كثر السؤال عنها في الأزمنة المتأخرة، بسبب تنوّع صوره، وتعدّد مقاصده، وتداخل بعض ممارساته مع أعراف اجتماعية أو نزعات عاطفية قد تُخرجه عن مقصده الشرعي، فيقع الخلط بين المشروع والممنوع، وبين الوفاء المحمود والمبالغة المنهي عنها.

وقبل الخوض في الحكم الشرعي، يحسن تحرير محلّ النزاع من خلال تعريف التأبين؛ إذ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره.

فالتأبين في اللغة هو الثناء على الشخص بعد موته. جاء في القاموس: أبَن الرجل تأبينًا إذا مدحه بعد موته. وقال ابن منظور في لسان العرب: أبَن الرجل تأبينًا بكاه ومدحه بعد موته، وهو قريب في معناه من الرثاء.
والرثاء في اللغة يأتي بمعنى البكاء على الميت ومدحه وتعداد محاسنه، أو نظم الشعر فيه بعد وفاته، كما يأتي بمعنى التوجّع والحزن.
وقد جاء هذا المعنى في السنة، كما في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن خولة رضي الله عنه حين قال: «لكن البائس سعد بن خولة» رواه البخاري يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة.
قال ابن حجر: يقال رثيته إذا مدحته بعد موته، ورثيت له إذا تحزنت عليه. فتح الباري

وبناءً على هذا التصور، فإن الأصل في إقامة المحاضرات والندوات واللقاءات التي يُذكر فيها المتوفّى بالخير، ويُعرَّف الناس بسيرته وأعماله، الجواز ولا حرج فيها، متى التُزم فيها بالضوابط الشرعية، وسُلِكت بها المقاصد الصحيحة.

فالشريعة لم تنهَ عن ذكر محاسن الموتى، ولا عن شكر أهل الفضل على ما قدّموه من علم أو إحسان، بل حضّت على حفظ الجميل، والاعتراف بالفضل لأهله.
وقد دلّ على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن من أُثني عليه:
«أنتم شهداء الله في الأرض»، وهو نصٌّ صريح في مشروعية الثناء على الميت بما فيه من خير، إذا كان بحقٍّ وصدق، دون غلوٍّ أو مجاوزة.
وجاء في الحديث أيضا: ( اذكروا محاسن موتاكم) رواه الترمذي

غير أن هذا الجواز ليس مطلقًا، بل هو مقيَّد بجملة من الشروط والاعتبارات المهمة، في مقدمتها أن يكون المقصود من التأبين حثّ الناس على الخير، وشكر أهله، والانتفاع بالجوانب المضيئة في حياة المتوفّى، والتعريف بسيرته؛ ليكون ذلك باعثًا على الاقتداء بأخلاقه، والسير على نهجه في الصلاح والإحسان.

وتزداد الحاجة إلى هذا المقصد في هذا العصر الذي طغت فيه النزعة المادية، وقلّت فيه القدوات الصادقة، وانجرف فيه كثير من الشباب وراء نماذج الفساد والانحلال الخلقي، مما يجعل إبراز النماذج الصالحة ضرورةً تربوية، ومقصدًا شرعيًا معتبرًا.

أما إذا انقلب التأبين إلى وسيلة لإثارة الأحزان، واستدعاء الأشجان، وتجديد اللوعة، وإحياء المصائب والآلام على وجهٍ ينافي الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، فإن ذلك يخرج عن هدي الشريعة، ويصادم مقصدها في التسلية والتخفيف والاحتساب.

ولهذا ورد النهي عن بعض صور المراثي التي تشتمل على الفخر والغلو وتهييج الحزن، كما في الأحاديث الواردة في هذا الباب، ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي . رواه أحمد
بينما بقي الرثاء الذي يتضمن ذكر محاسن الميت، والدعاء له، والتأسي به، داخلًا في دائرة الجواز، بل قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع معروفة كما ذكرنا سابقا ، مما يدل على أن المنهي عنه هو ما اشتمل على معانٍ مخالفة للشرع، لا أصل الرثاء والتأبين.
إذ لم يضع الشرع حدًّا جامدًا في مثل هذه الأمور، وإنما تركها في الجملة لأعراف الناس، تُضبط بالنيات والمقاصد، وتُوزن بميزان المصالح والمفاسد.

ومن هذا المعنى استحبّ بعض أهل العلم المعاصرين تأخير تنظيم مجالس التأبين إلى ما بعد فترة من الوفاة، دفعًا لتجدّد الأحزان، وسدًّا لذرائع الانحراف في المقاصد أو الأساليب، وتحقيقًا لمقصد الشريعة في التخفيف عن أهل المصاب.

ومما يُراعى في هذه المناسبات أيضًا تحقيق مقاصد الشريعة في تعزيز الأخوّة والتكافل، وإظهار معاني المواساة، وتجديد روابط الألفة بين المسلمين، لما في ذلك من تقوية النسيج الاجتماعي، والتذكير بوحدة المصير

وقد بيّن الإمام القرافي – رحمه الله – في الفروق أن المراثي تختلف أحكامها باختلاف مضامينها وآثارها، فقسّمها إلى أربعة أقسام:
مراثٍ محرّمة تحريمًا شديدًا، وهي ما تضمّن الاعتراض على قضاء الله أو ما يوهم نقصًا في حكمته؛ ومراثٍ محرّمة دون ذلك، وهي ما يهيّج الحزن ويضعف الصبر؛ ومراثٍ مباحة، تقتصر على ذكر الدين والتذكير بالموت والمآل؛ ومراثٍ مندوبة، تجمع إلى ذلك الدعوة إلى الصبر والاحتساب والتعزية الحسنة. انتهى معنى كلامه من الفروق

وخلاصة القول: إن التأبين جائزٌ في أصله، مشروعٌ في مقصده، محمودٌ في آثاره، إذا التُزم فيه بالضوابط الشرعية، وسَلِم من المحاذير، وكان وسيلةً لتجديد العهد بالقيم، وإحياء معاني القدوة، وتعزيز التراحم والتكافل بين المسلمين. أما إذا انحرف عن هذه المقاصد، أو اقترن بما يخالف الشرع، فإنه يُمنع بقدر ما فيه من المخالفة، لا لذاته، والله تعالى أعلم

زر الذهاب إلى الأعلى