غزواني وتحطيم الأرقام القياسية/ ذ. محمد ولد حويه

منذ استقلال موريتانيا، تعاقبت الحكومات وتفاوتت وتيرة الإنجاز، غير أن السنوات الست الماضية تميزت بتحول واضح في حجم المشاريع التنموية، وسرعة التنفيذ، واتساع الأثر، إلى درجة جعلت المقارنة مع المراحل السابقة أمرًا مشروعًا بل وضروريًا.

ففي هذه الفترة دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتحقيق أرقام غير مسبوقة في قطاعات حيوية، رسخت واقعًا تنمويا مختلفا عمّا كان سائدًا لعقود.

أبرز هذه التحولات تجلت في قطاعي الطاقة والمياه، حيث تضاعف الإنتاج والموارد بأكثر من مائة في المائة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل هذه المرحلة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تحسن التغطية الكهربائية وتوسيع شبكات المياه وتقليص الاختلالات المزمنة، خصوصًا في المناطق الداخلية التي عانت طويلًا من الهشاشة.

وفي المجال الصحي، شهدت البلاد توسعًا لافتًا في البنية التحتية، إذ تم تشييد ما يقارب نصف المراكز الصحية الموجودة حاليًا خلال هذه السنوات الست وحدها. وهو مؤشر قوي على أن الاستثمار في الصحة لم يعد هامشيًا، بل أصبح ركيزة أساسية في السياسات العمومية، هدفها تقريب الخدمة من المواطن وتحسين جودة الرعاية.

أما التعليم، فقد عرف بدوره تحولات عميقة، سواء من حيث الكم أو البنية. فقد تضاعف عدد التلاميذ مقارنة بالفترات السابقة، وتوسع عدد الحجرات المدرسية بشكل ملحوظ لاستيعاب هذا النمو، بالتوازي مع اكتتاب غير مسبوق للأطر التربوية، حيث تم خلال هذه الفترة وحدها توظيف ما يقارب نصف المعلمين العاملين في البلاد اليوم. هذا التوسع لم يكن مجرد استجابة رقمية، بل خطوة هيكلية نحو تعميم التعليم وتحسين مردوديته.

وفي سياق ربط التعليم بسوق العمل، عرف قطاع التكوين المهني قفزة نوعية، إذ ارتفع عدد المستفيدين من نحو سبعة آلاف متدرب إلى ما يقارب عشرين ألفًا، أي بزيادة تناهز مائة وخمسة وثمانين في المائة، وهو تحول يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التكوين التطبيقي في مواجهة البطالة وتمكين الشباب.

وعلى مستوى التشغيل العمومي، تم خلال هذه الفترة اكتتاب نحو عشرين ألف موظف من أصل مجموع يقارب ستين ألف عامل في الوظيفة العمومية، ما يعني أن ثلث عمال الدولة تقريبًا تم توظيفهم في هذه السنوات الست، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الإدارة الموريتانية، ودليل على تجديد واسع للموارد البشرية العمومية.

وفي مجال البنى التحتية، خاصة الطرق، تم إنجاز ما يعادل ثلث الشبكة الوطنية من حيث العدد والكيلومترات خلال نفس الفترة، وهو ما ساهم في فك العزلة عن مناطق واسعة، وربط الأقاليم ببعضها البعض، وخلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية جديدة في الداخل.

اجتماعيًا، عرفت البلاد توسعًا غير مسبوق في الحماية الاجتماعية، حيث تضاعف عدد المستفيدين من التأمين الصحي، مع إقرار تأمين صحي شامل ومجاني لما يقارب ثلث سكان البلاد، أي أكثر من ثلاثة وثلاثين في المائة من المواطنين، وهو تطور نوعي في تاريخ السياسات الاجتماعية للدولة.

وتعززت هذه التحولات بالمصادقة، ولأول مرة منذ نشأة الدولة، على أكبر حزمة مشاريع ممولة دفعة واحدة، بقيمة تفوق مليار دولار، شملت قطاعات استراتيجية متعددة، ما عكس ثقة الشركاء الدوليين في المسار التنموي للبلاد، ورسخ موقع موريتانيا في الخارطة الاقتصادية الإقليمية.

إن قراءة هذه الأرقام في سياقها الزمني تكشف بوضوح أن ما تحقق خلال ست سنوات يعادل، في بعض القطاعات، ما أُنجز خلال عقود. وهو ما يجعل الحديث عن تحطيم الأرقام القياسية توصيفًا واقعيًا لا مبالغة فيه. ومع استمرار هذا النهج القائم على التخطيط والعمل الهادئ والمتابعة الصارمة، فإن المؤشرات كلها توحي بأن ما تحقق سيكتبه التاريخ في المسار التنموي الوطني ، وأن قادم الإنجازات و الأرقام سيكون أكثر و تحقق نتائج أفضل على مختلف المستويات .

ذ.محمد ولد حويه
عضو المجلس الوطني
مستشار رئيس حزب الإنصاف

زر الذهاب إلى الأعلى