الدكتور سيد أحمد ولد بونعامة، عضو الأمانة الدائمة المكلفة بالاستصلاح الترابي والعمران والاستدامة البيئية بحزب الانصاف

إن الرؤى التنموية الكبرى لا تُقاس بمدى قرب أهدافها زمنيا
وإنما بقدرتها على استشراف المستقبل، وتحديد الخيارات الاستراتيجية، ورسم مسارات التحول الوطني على المدى البعيد. فبناء اقتصاد قوي ومتنوع، وتحقيق تنمية عمرانية متوازنة، وترسيخ مجتمع المعرفة، ليست أهدافاً آنية يمكن بلوغها في سنوات معدودة، بل هي مسارات تراكمية تتطلب رؤية بعيدة المدى، وتخطيطاً مستمراً، واستقراراً في التوجهات والسياسات العامة، بعيداً عن تقلبات الدورات الحكومية.
وفي هذا السياق، فإن اعتماد موريتانيا أفق 2060 لا يمثل توجها استثنائيا أو خروجا عن الممارسات الدولية، بل ينسجم مع تجارب دولية وإقليمية اختارت ربط مشاريعها التنموية الكبرى بآفاق زمنية طويلة، مستلهمة في بعض الحالات المحطات المئوية في تاريخها الوطني، ومن أبرزها:
– الإمارات العربية المتحدة (مئوية 2071): وضعت رؤية تمتد لنصف قرن لبناء اقتصاد معرفي مستدام، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة، تزامنا مع مئوية تأسيس الاتحاد.
– جمهورية الصين الشعبية (أفق 2049): اعتمدت خططا استراتيجية ممتدة لعقود، تتزامن مع مئوية تأسيس الجمهورية، بهدف ترسيخ مكانتها قوة عالمية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار.
– المملكة العربية السعودية (أفق 2060): حددت أفقا زمنيا بعيدا لتحقيق أهداف استراتيجية في مجالات الطاقة والاستدامة والتحول الاقتصادي والصناعي.
– جمهورية مصر العربية (المخطط العمراني 2052): اعتمدت رؤية عمرانية طويلة المدى تستهدف إنشاء مدن ذكية وجديدة، وتحقيق توزيع أكثر توازنا للسكان والأنشطة الاقتصادية.
– الاتحاد الأوروبي (أفق 2050): تبنى رؤية استراتيجية مشتركة لتحقيق التحول نحو اقتصاد محايد مناخيا، وإعادة توجيه السياسات الصناعية والاقتصادية بما يضمن الاستدامة والتنافسية.
إن تحديد أفق 2060 لموريتانيا، تزامنا مع مئوية استقلالها الوطني، ليس تأجيلا للحلول أو إنجازات بل هو خيار استراتيجي يعكس إدراكا لطبيعة التحولات الكبرى ومتطلباتها الزمنية. فالنهوض الاقتصادي، والتوسع العمراني المتوازن، والتقدم العلمي والمعرفي، كلها مسارات تحتاج إلى نفس طويل، وتخطيط مستقر، وتراكم في الإنجازات.
ومن ثم، فإن الأهمية الحقيقية لهذه الرؤية لا تكمن في تحديد سنة 2060 فحسب، بل في تحويلها إلى إطار وطني ملزم لتوجيه السياسات العامة، وتنسيق الأولويات، وضمان استمرارية المشاريع والإصلاحات عبر الحكومات والأجيال، بما يؤسس لنهضة موريتانية شاملة ومستدامة.