أصداء «لاتريبون»: الإهانة / محمد فؤاد براده

 

ثمة قيود لا تُرى، لكنها تترك في النفس من آثارها ما لا تتركه السلاسل المرئية. فالإهانة، حين تتجاوز زلّة اللسان لتصبح سلوكًا متكررًا ومقصودًا، لا تعود مجرد كلمة جارحة، بل تتحول إلى وسيلة لإخضاع الإنسان وإرباك وعيه بذاته.

ومن هنا أعود إلى وضعية سبق أن تناولتُها تحت عنوان «منظومة القهر»، محاولًا الكشف عن أحد أشكال الإخضاع الإنساني المعاصر؛ ذلك الذي يتسلّل إلى النفس عبر الضغط والإرباك، حتى يجعل الإنسان أسيرًا لواقع لم يختره، وخاضعًا لقواعد لم يضعها. وحين يبلغ هذا القهر عتبته الحرجة، قد تتراكم مشاعر الإحباط الاجتماعي والاقتصادي، بل والثقافي أيضًا، حتى تتحول إلى غضب جماعي يفتح الطريق أمام التمرّد.

ولكن ماذا يحدث عندما تصدر الإهانة عن طرف مهيمن، أو عن شخص يمارس عليك نوعًا من السلطة، أو حتى عمّن ظننتَ يومًا أنه قريب منك؟ وهل تظل الإهانة، في مثل هذه الحال، مجرد إساءة عابرة، أم تتحول إلى أداة خفية لاختبار قدرتك على الصمود ومحاولة إخضاع إرادتك؟

كان أحدهم قد اقترح عليّ، في سياق آخر، المشاركة في لعبة غريبة، صاغ قواعدها بتلاعب لافت بالكلمات. وكان المعنى المستتر في حديثه يقول: إن استطعتَ أن تتحمل ما أقوله، حققتَ مكسبًا يظلّ معلقًا بين الواقع والخيال؛ وإن عجزتَ عن الصمود، فقد خسرتَ اللعبة.

غير أن السؤال الذي تبادر إلى ذهني لم يكن: كيف أحقق ذلك المكسب؟ بل: لماذا أقبل أصلًا بالمشاركة في لعبة وضع غيري قواعدها، وحدّد لي مسبقًا معنى الفوز والخسارة فيها؟

بدت اللعبة مسلّيةً لبعضهم، وغريبةً لبعضهم الآخر، لكنها كانت بالنسبة إليّ محاولةً لفرض واقع يختلط فيه الحقيقي بالمتخيَّل. لذلك وجدتُ نفسي مضطرًا إلى رفض العرض، من غير أن أستفزّ قائد اللعبة؛ ذلك الذي يتنقل بين الحقيقة والخيال، ويجعل الحدود بينهما غائمةً كلما اقتضت مصلحته ذلك.

وجدتُني أمام مفارقة مربكة: أن أكون خاضعًا للعبة لا أقبل المشاركة فيها، وأن أتحمل آثارها مع أنني لم أوافق على قواعدها. فهل يكفي رفض اللعبة للتحرر منها؟ أم إن الإنسان قد يجد نفسه أحيانًا داخل منظومة من الضغوط، حتى وإن أعلن صراحةً أنه لا ينتمي إليها؟

هنا يتشكل اللغز بين القبول والرفض، وبين الانخراط والمقاومة. فإذا كنتُ قد فهمتُ مقصد محاوري على الوجه الصحيح، فقد كان ينظر إلى هذه اللعبة بوصفها منظومةً مركبة تختبر قدرة الإنسان على التحكم في ذاته. غير أن هذا الاختبار لا يجري في فضاء محايد؛ فهو خاضع لإرادة قائد اللعبة، ولموقعه الاجتماعي، ولقدرته على تحريك الآخرين وتوجيه الوقائع بما يخدم الغاية التي يريدها.

ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: إذا وجّه إليك شخص، رجلًا كان أو امرأة، إهانةً، فما رد الفعل الذي يحفظ لك توازنك وكرامتك؟ وهل تستطيع أن تظل سيدًا لموقفك، أم تنجرف نحو الاستجابة التي أُعدّت لك سلفًا؟

تبدو القاعدة بسيطة في ظاهرها: تُوضَع مدةً معينة تحت الاختبار، وتُفتعل من حولك توترات مع أشخاص تعرفهم وآخرين تجهلهم. إنها أشبه بكاميرا خفية يدرك ضحيتها، أو يكاد يدرك، أنه موضوع مراقبة وتجربة؛ لكنه يعجز عن الفصل بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع، وبين ما يصدر بعفوية وما تحركه يد خفية.

وما أقسى الإهانة حين تصدر عن شخص أحببناه أو وثقنا به؛ فهي لا تجرح كرامتنا فحسب، بل تصيب أيضًا الصورة التي بنيناها عنه، وتهزّ المعنى الذي منحناه لعلاقتنا به. ومع ذلك، إذا أدركنا أن الأمر مجرد لعبة غايتها إثارة رد فعل محسوب، فقد يصبح التجاهل فعلًا من أفعال المقاومة، لا مظهرًا من مظاهر الضعف.

ولكن ماذا لو لم تعد اللعبة عابرة؟ ماذا لو أصبحت حياة الإنسان، في لحظة ما، خاضعةً لمنطق الضغط المدبّر والهيمنة؟ وما قدرته، حينئذ، على حماية عالمه الداخلي من العبث؟ وهل يظل قادرًا على اختيار موقفه، أم يصبح مجرد رد فعل داخل سيناريو كتبه الآخرون؟

تبدو الإجابة واضحة، وإن لم تكن مريحة.

يجد الإنسان نفسه أمام مسارين متكاملين: أولهما أن يسمو فوق الإيحاءات التي تبدو عشوائية والاستفزازات المتعاقبة، وألّا يمنحها ردَّ الفعل الذي تتغذّى منه سلطة مصدرها. وثانيهما أن يتبيّن أن ما يظهر مشتّتًا وعابرًا قد يخفي وراءه قصدًا واحدًا؛ فهذه الإيحاءات، على ما بينها من تباعد ظاهري، قد تنساب جميعها نحو غاية محددة: إما تفكيك الذات المستهدَفة واستنزافها نفسيًا ومعنويًا، وإما تثبيت نفوذ الطرف المهيمن، الذي لا يرى في الآخرين، في كثير من الأحيان، سوى أدوات تتحرك داخل مداره.

فالإهانة ليست دائمًا كلمةً عابرة تنتهي بانتهاء لحظة التلفظ بها؛ فقد تتحول إلى تقنية للسيطرة، يُختبر من خلالها صبر الإنسان، وتُقاس حدود مقاومته، ويُدفع تدريجيًا إلى الشك في نفسه وفي إدراكه للواقع. وكلما استجاب وفق السيناريو المرسوم له، ازدادت سلطة قائد اللعبة عليه؛ إذ لا تكمن الهيمنة في فرض الفعل وحده، بل في امتلاك القدرة على تشكيل ردود أفعال الآخرين.

أما التحرر، فيبدأ حين يدرك الإنسان بنية اللعبة، ويرفض أن ينظر إلى كل واقعة بمعزل عن سياقها العام. فما يبدو سلسلةً من المصادفات قد يكون نسقًا من الضغوط، وما يظهر كلامًا عابرًا قد يكون حلقةً في مسار طويل من الإخضاع. وعندئذ يصبح ضبط النفس دفاعًا عن الحرية الداخلية، وتغدو اللامبالاة الواعية وسيلةً لتجريد الطرف المهيمن من أهم أسلحته: قدرته على التحكم في مشاعرنا وصياغة ردود أفعالنا.

وهذا، إلى حدّ بعيد، ما يحدث في حياتنا الواقعية؛ إذ كثيرًا ما نعيش داخل ألعاب لم نخترها، ونُطالَب بالامتثال لقواعد لم نضعها، ثم يُقال لنا إننا أحرار في الاختيار.

محمد فؤاد برادة

نُشر بتاريخ 21 فبراير 2012
المصدر: Barrada.unblog، نقلًا عن موقع Cridem.

زر الذهاب إلى الأعلى