عيد الشغل في موريتانيا: من قوة الوحدة النقابية إلى تحديات التمثيلية واستعادة الدور/ احمد محمد حماده

عيد الشغل في موريتانيا: من قوة الوحدة النقابية إلى تحديات التمثيلية واستعادة الدور.
بقلم احمد محمد حماده
كاتب و محلل سياسي

بمناسبة عيد الشغل، لا يبدو هذا اليوم في موريتانيا مجرد تاريخ عابر في الروزنامة، بل يستدعي ذاكرة مرحلة كان فيها صوت العمال أكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهدين الاجتماعي والسياسي. فقد كان الأول من مايو يومًا تتجسد فيه وحدة الصف النقابي، وتمتلئ فيه الساحات بالشعارات المطالِبة بالحقوق والكرامة. غير أن هذا الزخم لم يصمد أمام تحولات عميقة شهدها العمل النقابي، حيث انتقل من وحدة صلبة منحتْه قوة التأثير، إلى تعددية أضعفت انسجامه وشتّتت صوته. وبين ماضٍ اتسم بالفاعلية وحاضرٍ يطبعه التراجع النسبي، يطرح تخليد عيد الشغل اليوم في موريتانيا أكثر من سؤال حول واقع النقابات، وحدود تمثيليتها، وقدرتها على استعادة دورها كقوة اقتراح وضغط في سبيل العدالة الاجتماعية.
يشكّل عيد الشغل في موريتانيا محطة رمزية تستحضر تاريخ الحركة العمالية، غير أن هذه الرمزية تخفي وراءها تحوّلات عميقة مست جوهر العمل النقابي، خاصة مع بروز إشكالية “التمثيلية النقابية” في السنوات الأخيرة. فقد كان العمل النقابي خلال مرحلة النقابة الواحدة يتميز بوحدة الصوت وقوة التأثير، حيث استطاعت النقابات آنذاك أن تفرض نفسها كشريك فعلي في الدفاع عن حقوق العمال، وكان تخليد عيد الشغل مناسبة نضالية بامتياز تُطرح فيها مطالب واضحة، وتُترجم أحيانًا إلى مكاسب ملموسة بفعل تماسك الصف العمالي.
ومع بداية التسعينيات، دخلت موريتانيا مرحلة التعددية النقابية في سياق الانفتاح السياسي، وهو تحول حمل في ظاهره توسيعًا لهامش الحريات، لكنه أدى عمليًا إلى تشتت المشهد النقابي، حيث تعددت المركزيات دون أن تترافق دائمًا مع قواعد عمالية حقيقية. ومع مرور الوقت، برزت ظاهرة تمييع العمل النقابي، من خلال ظهور نقابات صورية لا تمتلك تمثيلًا فعليًا، وهو ما انعكس سلبًا على قوة التفاوض الجماعي ومصداقية العمل النقابي، كما أدى إلى تراجع زخم تخليد عيد الشغل وتحوله في كثير من الأحيان إلى مناسبة رمزية أكثر منها نضالية.
ومن بين العوامل التي ساهمت في إضعاف العمل النقابي أيضًا ظاهرة تسييسه، حيث لم تعد بعض النقابات تشتغل بمنطق الدفاع الخالص عن مصالح العمال، بل أصبحت في حالات عديدة مرتبطة بحسابات وتجاذبات سياسية. وقد أدى هذا التداخل بين النقابي والسياسي إلى توجيه مواقف بعض التنظيمات وفق أجندات لا تعكس بالضرورة أولويات القواعد العمالية، مما أضعف ثقة العمال في العمل النقابي وقلّص من مصداقيته، كما ساهم في تعميق الانقسامات داخل الساحة النقابية بدل توحيد الجهود حول مطالب مشتركة.
وأمام هذا الواقع، دفعت النقابات الفاعلة نحو المطالبة بإصلاحات جادة تعيد تنظيم الحقل النقابي، فوافقت الحكومة على تنظيم انتخابات للتمثيلية النقابية باعتبارها آلية ديمقراطية لتحديد الوزن الحقيقي لكل مركزية. وقد شكّلت هذه الخطوة تحولًا مهمًا، إذ أتاحت إمكانية قياس الحضور الفعلي للنقابات داخل الأوساط العمالية بدل الاكتفاء بالتمثيل الشكلي، كما سمحت بفرز النقابات وفق حجمها الحقيقي وعدد منخرطيها وانتشارها، وهو ما ساهم في تمييز النقابات ذات القواعد الشعبية عن غيرها. ومكّن هذا المسار أيضًا من إرساء قدر أكبر من الشفافية، وفتح المجال أمام اعتماد نتائج التمثيلية كأساس لمنح صفة التمثيل في المفاوضات مع الدولة وأرباب العمل.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز جملة من التحديات التي تواجه تطوير العمل النقابي وتعزيز استقلاله، وفي مقدمتها ضرورة بناء نقابات قوية قائمة على قواعد عمالية حقيقية بدل الهياكل الشكلية، إلى جانب ترسيخ الديمقراطية الداخلية وضمان الشفافية في التسيير واتخاذ القرار. كما يظل فك الارتباط بين العمل النقابي والتجاذبات السياسية شرطًا أساسيًا لاستعادة المصداقية، إضافة إلى أهمية تأهيل الكوادر النقابية وتكوينها لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل بروز أنماط جديدة من العمل. ومن التحديات كذلك توحيد الجهود بين النقابات الجادة حول قضايا مشتركة، وتطوير آليات الحوار الاجتماعي بما يضمن تمثيلًا فعليًا للعمال ويعزز قدرتهم على التأثير في السياسات العمومية.
ورغم ما رافق هذه التجربة من تحديات وانتقادات، فإنها تظل خطوة أساسية نحو إعادة الاعتبار لمبدأ الشرعية التمثيلية وتعزيز فعالية العمل النقابي. وفي ظل هذه التحولات، أصبح عيد الشغل في موريتانيا يعكس هذا التباين بين ماضٍ اتسم بوحدة وقوة التأثير، وحاضرٍ يطغى عليه الطابع الرمزي مع محاولات مستمرة لاستعادة الدور الحقيقي للنقابات. ويبقى مستقبل العمل النقابي مرهونًا بقدرته على تجاوز حالة التشتت وبناء تمثيلية حقيقية وعادلة تعيد للأول من مايو روحه الأصلية كمنبر للنضال والدفاع عن كرامة العمال.
وفي ختام هذا المسار، يظل عيد الشغل في موريتانيا أكثر من مجرد مناسبة رمزية؛ إنه دعوة صريحة لمراجعة واقع العمل النقابي واستعادة روحه الأصيلة القائمة على الوحدة والاستقلالية والالتزام بقضايا العمال الحقيقية. فبين تحديات التشتت والتسييس، تبقى الآمال معقودة على وعي العمال أنفسهم وقدرتهم على فرض نقابات قوية تمثلهم بصدق وتدافع عن حقوقهم بفعالية. إن استعادة بريق الأول من مايو لن تتحقق بالشعارات وحدها، بل بالعمل الجاد والتنظيم المسؤول والإيمان بأن قوة العامل تكمن في وحدته وإصراره.
وبهذه المناسبة، نتوجه بأصدق التهاني إلى جميع العمال، مشيدين بدورهم الحيوي في بناء الوطن ودفع عجلة التنمية، وداعين إياهم إلى مواصلة العمل بإخلاص وجدية، والتشبث بحقوقهم في إطار من المسؤولية والانضباط، حتى يظلوا دائمًا القوة الحقيقية التي يقوم عليها مستقبل أكثر عدلًا وازدهارًا.

زر الذهاب إلى الأعلى