حول إدارة التنوع وبناء خطاب وطني جامع

التجربة علمتنا أن الظواهر السياسية والاجتماعية، مهما بدت صغيرة في بداياتها، قد تتطور إن لم تُحط بإطار مؤسسي حكيم يستوعبها ويوجهها الوجهة الصحيحة.

في نهاية عام 2010 وبداية 2011، وخلال نقاشات ضمن منتدى الفاعلين غير الحكوميين على هامش المنتدى الاجتماعي الدولي المنعقد في داكار، طُرحت مسألة كيفية التعاطي مع بعض المبادرات الاحتجاجية الناشئة آنذاك. وكان تقديري الشخصي يومها أن المقاربة الأنجع لا تكمن في التجاهل ولا في المواجهة، بل في الاحتواء المؤسسي المبكر، ووضع آليات إدماج تحفظ السلم الاجتماعي وتعزز الشعور بالمواطنة.
إن أي خطاب يقوم على الاستقطاب الفئوي أو اللوني، مهما كانت دوافعه، يظل قابلًا لإنتاج توترات غير محسوبة. لذلك فإن الأجدر هو بناء خطاب متوازن يعالج الاختلالات بروح العدل والإنصاف، ويجمع بين صون الكرامة الإنسانية وتعزيز الاستقرار العام.
مرجعيتنا الحضارية والدينية واضحة في هذا الباب؛ فقد جعل الإسلام التكريم مناطه التقوى، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن التنازع المؤدي إلى الفشل. كما أن طاعة الله ورسوله وأولي الأمر في إطار الشرع والنظام العام هي ضمانة للاستقرار، ما دام العدل مقصدًا، والمصلحة العامة إطارًا حاكمًا.
إن مجتمعًا قليل العدد نسبيًا، موزعًا على نحو عشرة آلاف تجمع سكني، يمكن ضبط إيقاعه الاجتماعي عبر أدوات وقائية بسيطة لكنها فعالة، إذا أحسن تصميمها وتنفيذها.
ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في مبادرة وطنية – أو برنامج مؤسسي ضمن هيكل قائم – تُعنى بـ:
1. تعزيز كرامة الإنسان وروح المواطنة.
2. تقريب الخدمات من المواطنين في القرى والأرياف.
3. رصد مؤشرات الوئام الاجتماعي مبكرًا ومعالجتها بالحوار.
4. إشراك المعلمين والأطباء وموظفي الدولة في أدوار توعوية مكمِّلة لوظائفهم الأصلية.
5. التعاون مع الأئمة وشيوخ المحاظر والفاعلين المحليين لترسيخ قيم التآخي.
6. تنظيم مسابقات تحفيزية لأفضل تجمع يحقق معايير المواطنة والتكافل.
مثل هذه المقاربة الوقائية أقل كلفة من المعالجة المتأخرة، وأكثر انسجامًا مع قيم مجتمعنا، وأقدر على حماية هيبة الدولة واستقرارها دون صدام أو استقطاب.
إن بناء خطاب وطني جامع ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان أمن البلد الاجتماعي، وترسيخ ثقافة المواطنة، وصون وحدة النسيج الوطني.
محمد يحيى القصري

زر الذهاب إلى الأعلى