الدستور الموريتاني: بين “قدسية” النص ومشروعية التعديل

يشكّل الدستور الموريتاني الإطار الأعلى الذي تنتظم في ظله الحياة السياسية والمؤسسية، والمرجعية التي تحتكم إليها السلطات وتُصان بها الحقوق والحريات. ومع ذلك، لم يكن نصًّا جامدًا، بل جاء ثمرة مسار طويل من الحوارات، التي شكلت مراحل حاسمة أسهمت في بناء توافقات وطنية واسعة، وأفرزت جملة من المقترحات التي حظيت بإجماع غالبية الطيف السياسي، مولاة ومعارضة.
ومن تلك المقترحات تحديد مأموريات رئيس الجمهورية، وأداء الرئيس المنتخب القسم بعدم التقدم بأي مبادرة أو دعم أي مبادرة تستهدف تعديلها.
ومع ذلك، فإن النص الدستوري، مهما علا شأنه، يظل قابلًا للتطوير ضمن الأطر التي رسمها هو نفسه. فالدستور يحدد آليات تعديله، ويجعل من الشعب صاحب السلطة الأصلية، المباشرة أو عبر ممثليه، في إقرار أي تغيير. ومن ثمّ، فإن للقوى السياسية والنخب والفاعلين الاجتماعيين ومنظمات المجتمع المدني حق اقتراح التعديل أو الإضافة، متى تم ذلك وفق المساطر الدستورية المعتمدة، وكان الاحتكام فيه إلى الإرادة الشعبية عبر التصويت.
ولا يتعارض هذا الحق مع قسم رئيس الجمهورية، ما دام لم يكن هو المبادر أو الداعم لمقترحات تمس المواد التي تعهد بصونها. فمسؤوليته شخصية ومحددة بحدود ما أقسم عليه، دون أن تمتد إلى تقييد حق الآخرين في النقاش أو الاقتراح في إطار القانون.
إن سلامة الممارسة الدستورية تقوم على احترام النصوص والالتزام بروحها، وفي الوقت ذاته الإقرار بأن الشعب يملك، عبر الآليات المشروعة، أن يُبقي ما أقرّه أو أن يطوّره وفق ما تقتضيه المصلحة العامة. فالتجاوز يقع حين يُتنصل من الالتزام أو يُلتف على القواعد خارج أطرها، أما الامتثال فيتحقق بصون العهد، والاحتكام إلى القانون، وترك الكلمة الفصل للإرادة الشعبية.
وهكذا، يظل الدستور الموريتاني مرجعية تعلو على الجميع، تُصان أحكامه ويُحتكم إليه، ويظل في الآن ذاته قابلًا للتجديد بإرادة حرة، توازن بين الاستقرار والتطور، وبين الثبات والحاجة إلى التحديث.
نواذيبو، 11/02/2026

زر الذهاب إلى الأعلى