بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد اقتصاد الريع (Économie de rente )بيئة مناسبة للفساد/ النائب:سيداحمد محمد الحسن

من المعلوم أن اقتصاد الريع ،حسب تعريف الباحثين الاقتصاديين هو ” الحصول على “ثروة” أو منصب أو امتياز، يضمن مداخيل جزافية قارة دون أن يكون مقابل ذلك أي واجب يذكر أو جهد فكري أو جسدي.
وقد عرفه العلامة ابن خلدون في كتابه المقدمة بانه كسب بدون عمل
كما عرفه ادم سميت في كتابة ثروة الأمم بانه كسب مالي دون جهد
وعرفه كارل ماركس في كتابه رأس المال
بانه ظاهرة اقتصادية واجتماعية تكون طبقة راسمالية غير منتجة اقتصاديا لا تبذل جهدا ولاتقدم عملا وتكسب الكثير
و غالبا ما تتجلى مظاهر الريع في الحصول على امتيازات في شكل رخص الصيد البحري في أعالي البحار، رخص بنوك ، خص شركات تامين ،رخص معدنية أو مقالع الحجارة أو رخص أراضي عقارية من اجل إقامة مشاريع اقتصادية سرعان ما تتحول إلى قطع سكنية يراكم اصحاباتها منات الملايير على حساب الاهداف التنموية من خلق فرص شغل وزيادة نسبة النمو
وتخلق ثقافة الريع طبقة اقتصادية غير منتجة لا تؤمن بحتمية العمل والجهد ولاتومن بالإبداع ولا بتكافؤ الفرصة
يحققون مداخيل مالية مهمة
يقوم اقتصاد الريع على أساس منح الامتيازات والصفقات العمومية والخدمات وفرص العمل لصالح فئة معيّنة اومنح تراخيص الاستيراد أو الحماية التجارية لبعض المنتجات دون مراعاة أي اعتبارات لمبدأ المنافسة والكفاءة الاقتصادية.
وتكمن خطورة الريع، مقارنةً بالفساد أو سوء استخدام المال العام، في أنه يكتسب طابعاً “قانونياً” إذ أن الأحكام التي ترعاه عادة ما تكون مكرّسةً في القوانين والمراسيم.
فالدولة، على سبيل المثال، تخسر من ميزانيتها السنوي ما يزيد على 12 مليار اوقية جديدة حسب بيانات غير مكتمله لوزارة المالية صدرت في 2024 (أي ما يُعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي)، من خلال تقديم حوالي 1030 إعفاءا ضريبيا لعدد من القطاعات،
بيد أنه لم يُجرَ أيُّ تقييم جدّي لفاعلية هذه الإعفاءات وهل أدت الاهداف المتوقع منها في دفع النمو داخل هذه القطاعات وبالتالي خلق مزيد من فرص العمل ؟ام انها تحولت إلى مصدر من مصادر الريع راكمت من خلال فىة قليل الثروة على حساب بقية المجتمع.
كما تقوم الدولة بتقديم العديد من الخطوط الائتمانية للبنوك من اجل تمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي هي المحرك الرئيسي للاقتصاد ليتم تحويلها في تمويل الأنشطة التجارية لأصحاب هذه البنوك والإجهاد على آليات المنافسة في السوق.
لكن الممارسات الريعية لا تترتّب دائماً عن تدخّل الدولة، بل يمكن أيضاً أن تنجم عن عدم تدخّلها، كما هي الحال على سبيل المثال عندما تتغاضى الدولة عن تشكيل تكتلات اقتصادية تهدف إلى عرقلة آليات المنافسة عن طريق الاحتكار او الاتفاق حول مستوى الأسعار أو تحديد كميات الإنتاج ،مما يضعف المنافسة ويجعل السوق مغلق طارد للمستثمرين كما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين ويلتهم المجهود الاجتماعي والاستثماري الكبير الذي تقوم به الدولة وترتفع التكلفة الاقتصادية الناجمة عن تلكّؤ الدولة في أداء مهامها في متابعة السير العادي للأسواق وعدم وجود سلطة فعلية لتنظيم المنافسة،رغم انه تمت المصادقة على قانون جديد لحرية الأسعار والمنافسة (القانون رقم 015-23) في يوليو 2023، يهدف لضبط السوق عبر قواعد تنافسية شفافة، مع السماح بتدخل محدود لتحديد أسعار المواد الأساسية في الظروف الاستثنائية، وإنشاء مجلس منافسة مستقل لضمان التوازن بين حرية الأسعار وحماية المستهلك من الاحتكار غير ان القانون مايزال معطلا بفعل ضغط لوبي الاحتكار مما يكلف الاقتصاد مليارات الأوقية تذهب إلى جيوب حيتان السوق حيث تشكل الهوامش الربحية النسبة الأكبر من سعر المنتوج في سوق تغيب فيه تاثير اليات السوق من عرض وطلب .
لاشك اننا نحتاج إلى قطاع خاص يساهم معنا في بناء اقتصاد يرتكز على المنافسة والعمل والإبداع ويعمل على تحرير قدرات وامكانات هذا البلد من سرطان الريع والفساد الذي يضرب مفاصل الاقتصاد ويقوض التماسك الاجتماعي ويضعف ثقافة المواطنة.
إن انتشار الاقتصاد الريعي يقوّض على نحو خطير تماسُكَ النسيج الاجتماعي. فالأفراد يمكن أن يقبلوا برحابة صدر أن يغتني البعض على أساس الجهد والجدارة، غير أنهم يكونون أقلّ تسامحاً بكثير حيال أولئك الذين ينجحون من خلال التلاعب بالقواعد والتحايل عليها عبر استغلال امتيازات تُمنَح لهم حصرياً.
وتتطلب مكافحة آليات الممارسات الريعية ووضع حدّ للاختلاس تحت غطاء الشرعية للأموال العامة، منظوراً شمولياً وجهوداً حثيثة. ولن تكون هذه المهمة سهلةً، ولاسيما أنه يتعيّن على الجهات الراغبة في الإصلاح أن تواجه مقاومة جبهة عتيدة من أولئك الذين يريدون حماية “المكتسبات” الريعية التي يستفيدون منها والإبقاء على وضعهم الراهن على ما هو عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى